و أحياناً يكون عدم فعل شئ، هو أقصى ما يمكن فعله…

“حين لا يفعل الإنسان خيراً و لا شراً، فإن في ذلك خير.”

لي صديقة لا تثور، ليس لأنها جبانة، و ليس لأنها ضعيفة، و ليس لأنها كسولة، و لكن لأنها شجاعة، تعرف كيف تحب و لا تخاف، تعرف كيف تصبر و تحافظ على انفتاحها حيال أي احتمال قد يكون، حتى و هي لا تعلم ما سيأتي، و لا تدري حتى ما الذي راح عنها.

صديقتي التي تغلي بداخلها البراكين، لا تثور، لأنها لم تَخض معاركاً من قبل، ربما تشك بقدرتها على منازلة اعتيادها (على ما اعتادوا و عودوها). نعم و هي تشعر بروحها الجامحة المتعطشة للإنطلاق حبيسة جسدها و عقلها و عاداتها، و صورة هي أحرص على وضعها في الإطار الذي تم صنعه لها (و لم يسألها أحد كيف تريده أو إن كان يروق لها من الأساس)، و لها الخيار بتحطيمه و لكنها لا تفعل، ليس لأنها تخاف (بل لأنها تُحِب)، و هي لا تفضل البقاء دون إطار كذلك.

أقول لها: لا بأس عليك يا صديقتي، هناك أشياء في الحياة تستحق الأثمان التي ندفعها من أجل المحافظة عليها. لن يقتلنا أن نتنازل عن الكثير من الأمور مقابل حصولنا (أو حفاظنا) على الأهم منها. نعطي فقط ثم لا ننتظر شيئاً، لا نتوقع الكثير، و الأفضل ألا نعطي أكثر حتى لا نغضب حين لا نحصل على شئ، و هكذا نتعلم كيف نستمتع بما بين يدينا، بالقليل الذي لدينا.

صديقتي أنت قوية، قوية بما أنت عليه و ليس بما تفعليه، و إن يسألوك عن وظيفتك في الحياة، قولي لهم: عملي هو أن أحب، و أن أصبر، و أحافظ على استعدادي. و أي المهام يتضمن عملك؟ أقرأ و أستمع، و أعرف الكثير ثم أصمت، و لا أتكلم إلا لتقديم مشورة لمن يطلبها أو مواساة لمن يحتاجها، هذا عمل عظيم، و من المستحسن أن يحلم الإنسان من أجل الآخرين حين تضيع منه أحلامه، بدلاً من أن يستسلم للظلام و يتوقف عن الحلم.

أمـــــــــل؟!

كثيرون يُعَرِّفون “الأمل” بأنه قبولك الحاضر اقتناعاً منك بأن الغد سيأتي بمكافآت خضوعك لعثرات يومك!

أما أنا فلا أريد حتى أن أَعْرفه، لن أستسلم لحاضري بانتظار مجئ التغيير من تلقاء نفسه في مستقبل لا أصنعه بنفسي. لن أطالب أي أحد بتحقيق أحلامي بالنيابة عني. أنا لا أطيل التفكير بهذا الشئ المدعو “أمل” بل أعيش لحظتي و أعالج واقعي و لا أُضَيِع من يدي اليوم ترقباً لغدٍ لا أعلم ما سيأتي به و لكنني أعلم بأنني سأتعامل معه في حينه!

عندما نتأمل الناس الفقراء، البسطاء، المسحوقين، النائمين في العراء، السائحين في الأرض، القانعين بحدهم الأدنى من الحاجات الإنسانية الطبيعية، و نحن نرزح تحت وطأة أعبائنا المصطنعة، و نئن بأثقال حمَّلنَّاها أنفسنا و ما حَمَّلَّها لنا أحد، و بنا علل نحشو أنفسنا بها بإيدينا فوق هموم متخلفة عن توافه أمورٍ صدورنا أضيق من أن تبتلعها، نتنهد و نطلق أمنية دون حذر بأن يا ليتنا كنا مكانهم! متصورين أنهم في رقادهم الذي يبدو لنا من موقعنا هانئاً لا شوائب تنغصه، هو السعادة و كل ما قد يتمناه إنسان. نحن فقط من نتوهم بأنهم أثرياء ب”الأمـــل”، لا أتصورهم يشاطروننا مثل هذا الوهم.

فنحن نرى حالهم و لكننا لا نشعر بما في داخلهم و لا نعلم بما يدور في رؤوسهم، نحن ننظر فقط و لكننا لا نعلم بما وراء تلك الصورة، نتصور بأننا سنبقى على قوتنا الحالية حتى لو استبدلنا معهم المواقع، و لا نتخيل أنهم سيتركون لنا أحاسيسهم المعذبة المتولدة عن ظروف معيشتهم تلك. فهي تأتي رزمة واحدة، لا يمكن أخذ شئ منها و ترك الباقي، حتى لو تركت، فسيتوجب عليك دفع الثمن كاملاً.

اكتفاؤك بالقليل (من أي شئ) لم يعد أمراً مقبولاً في عالم اليوم!

ثم كيف جعلونا نصدق بأن الصغير لا يُشبع، و القليل لا يكفي؟!

Think small

أصبحت جميع الإعلانات تدعونا لالتهام الوجبة الأكبر، و قيادة السيارة الأوسع، و امتلاك البيت الأضخم، و اقتناء المزيد من كل شئ، و تتمادى في الوقاحة لتطالبنا بأن نحيا بطموح أعلى، و نرسم لنا أهدافاً أبعد، تضطرنا لسلوك الطريق الأطول، و مع هذا علينا أن نكون أغنى، و أصَّح، لكي نكون أسعد.

حتى خياراتنا في هذا العالم تم تقليصها قسراً لتنحصر بين الكثير، و أكثر منه. لا أفهم، في المقاهي لديك خياران فقط لتختار منهما حجم مشروبك: وسط و كبير! و مع أن الحجم “صغير” ملغي منذ سنوات، إلا أن هناك إصراراً على إبقاء المسمى “وسط” حتى لا تنسى بأن ثمة ما هو غير متاح حتى لو وودت الحصول عليه.

لدي أكثر من خمس ساعات انتظار، لا مشكلة، فقد سبق و انتظرت لأكثر بكثير من ذلك، بل إن أوقات الانتظار بحياتي تفوق ما أقضيه فيها بالفعل. و هكذا تعلمت كيف أقرأ كل شئ، الناس و الجمادات، و كل الكائنات من حولي هي مواضيع تُقرأ و تقود لتأملِ أفكارٍ تتفرع عنها أفكار حتى لا أعود أذكر بأي فكرة كنت قد بدأت.

أتذوق قهوتي و أفكر حين أتقزز من طعمها و أوشك على أن أقول عنها “سيئة”، كلا ” ليست سيئة” و لكنها فقط لا تشبه ما أنا معتادة عليه من نكهات القهوة، ليس كل ما هو غير مألوف لنا “سيء”، فالحاصل أننا نضع الأشياء التي اعتدناها معياراً لمستوى جودة الأشياء سواها، ثم نضع كل ثقتنا في أحكامنا على اعتبار أننا قد توصلنا لها بالتجربة، ثم و بارتياحٍ تام نأخذ بتصنيف كل ما يختلف عن مواضيع اعتيادنا تحت بند “السيئ” على اختلاف تدرجاته.

كنت قد دربت نفسي حين أتذوق شيئاً لا يروق لي، على ألا أعتبره “سيئاً” بل “مختلف”، و لأنني لست معتادة عليه، لا أستسيغه، و لو حصل و لم أُحْجِم عن تناوله لعدد من المرات، فسوف يصبح مألوفاً لدي و لا يعود على تلك الدرجة من “السوء” بالنسبة لي!

السبت ٢٢/٦/٢٠١٣ – ٢:١٥ م