الخيال هو ذاكرة، و المعرفة ذاكرة مُستعارة

little miss oversahre

لدي حكاية تود أن تُقال، و هي عني؛ حاولت تجاهلها لمخالفتها إحدى النقاط كنت قد أضفتها مؤخراً إلى لائحة تعاليمي البدائية الخاصة بالتحقق من صلاحية النص للمشاركة: “لا تكثري من الحديث عن نفسك لغير ضرورة”، و هكذا استمريت بمماطلتها حتى بدا لي أمر التملص منها مستحيلاً. قبل كل شيء، هذا مكاني الذي أكتب فيه، لم أتطفل على صفحات الآخرين لأقيم فيها استعراضاتي، إنني أدفع مالاً لأمتلك مساحتي هذه، و لي أن أستخدمها بالشكل الذي يروق لي (و يروق لكم كذلك). ثم أن “الانفتاح بالتعبير عن الذات” موجود ضمن قائمة التزاماتي المئة، و هو مكتوب مع “المزيد من الشجاعة” في البند نفسه؛ مما يعني أن علَي تجاوز خوفي من أن أتحول إلى واحدة منهم. لا أعرف أين يقع الخط الفاصل ما بين الحديث اللائق عن الذات و الإفراط  فيه حد الثرثرة، و لكن الأمر هو أن لدي حكاية تريد الخروج، و ترى بأن لا أحد سيحكها غيري؛ إذ أن كل منا عنده حياة، و حياة كل منا قصة، و تلك القصة مليئة بالحكايات الصغيرة، و لكل حكاية أن تُروى متى ما عَثَرَت على الكلمات التي تصلح لجلب معانيها إلى الوجود. للبعض ستكون الحكاية درساً، و للبعض رسالة، و للغالبية لن تكون أكثر من هراء محكي بطريقة جيدة! لا يهم؛ فذاكرة خيالي هي الجزء مني الخارج عن سيطرتي.

“أنا” أتذكر اليوم الذي وصلت فيه إلى “هنا”، و أتذكر دهشتي حين وجدْتَني في هذا الجسد في ذلك المكان مع أولئك الناس، و أتذكر كيف استغرقت وقتي بالتجول في “البيت” دون أن أمتلك الجرأة للمس كل تلك الأشياء المألوفة لي، غير أنني و للمرة الأولى أراها من خلال هذه العيون، وسيلة رؤيتي الجديدة التي تجمَدَت على اتساع التحديق و رسمت ملامح الدهشة على وجه كل طفولتي. و مهما اعتصرُت ذاكرتي عجزت عن تذكر أين كنت قبل مجيئي، و أتذكر تماماً أين كانت “هي” قبل أن أكونها، و لكن عندما أخبرت والدتي عن مشاهد أحداث كنت جزءاً منها أثناء طفولتي، أو كانت تلك الرضيعة التي سبقتني بالمجيء جزءاً منها، قالت بذهول بأنه من غير الممكن لمولود العام و نصف أن تكون ذاكرته قد بدأت بالعمل بعد، فاخترت التوقف عند ذلك الحد و لم أخبرها بأنني شاهدت كل شيء من “الأعلى”؛ كنت أراني في المشهد و أنا خارجه، و كأنني أطفو بينما أراقب “أنا” الثانية (أو الأولى)! و استمرت تلك الفجوة الفاصلة ما بين الذاكرة التي احتفظت بها من مراقبتي “نفسي” و أنا خارجي و بين الذاكرة التي بدأَت معي يوم استيقاظي و أنا بداخلي. ربما كل الأمر لم يقع إلا بمخيلتي النشطة أكثر من اللازم، ربما يمكن لأحدنا أن يعيش في الخيال حتى لا يبقى في ذاكرته مساحة للواقع.

بقيت منذ صغري على حال المراقبة، ما كنت أميل للعب و لا لمرافقة الناس، أحببت الاختفاء بالزوايا المظلمة لساعات أراقب فيها ما يدور من حولي، لا أحد يبحث عني أو يفتقد حضوري الصامت، أتواصل مع كل الأشياء الساكنة، الجمادات التي تشبهني، حتى الجدران أعطيها تفاصيل شخصية ثم أتعرف عليها. في “خيالي” خَلَقْت حياة موازية لحياة الخارج، و من العيش في خيالي تشكلت كل ذكرياتي، أنسى ما كان يجري في الخارج و لكنني لا أنسى ما كان يدور بداخلي، و لأتذكر حدثاً وقع في حياتي علَيَّ أن أستعيد المرحلة التي كنت قد بلَغتُها بتخيلاتي. و قد تطور ميلي إلى المراقبة إلى شغفي بقراءة الناس، و أسعد أوقاتي تكون في الانتظارات و التنقلات، حيث في المحطات تبدو و كأنك الثابت الوحيد، و الناس تذهب و تجيء؛ تصير أنت المحور و العالم يدور من حولك. ترى “اللحظة” في كل مشهد، و ترى من خلفها تاريخاً من اللحظات التي صنعَتْها، تشاهد العلاقات و الروابط و الفراغات التي تملأها بخيالك، تفكك الأجزاء و توصل النقاط المتقطعة بخطوط متعرجة حتى ترسم “الكل”، تعيد تشكيل الملامح العابسة بابتسامة منك، و بتلويح إحدى يديك تزيل يَبُوسَ الأكف التي أبلاها الشقاء، و تدس في حقائب الصغار أمنيات سعيدة سيقومون بتمريرها لصغار غيرهم حين تُزهر معهم و هم يكبرون.

طريقتي بالتفكير بواسطة شرائح صور أراها في خيالي (أو ذاكرتي) هي الوحيدة التي أعرفها، و لذا يتعبني الكلام، لا مشكلة لدي بالإصغاء لأنني أرى الكلمات أكثر مما أسمعها، حسناً؛ ربما أذهب إلى أماكن بعيدة بينما أبدو لك مستغرقة بالإنصات لما تقول، و لكن لا بأس، سيكون ما يجري في رأسي متعلق حتماً بما تخبرني به، إلا أنني أرى فهمي له و هو يتجسد بمشاهد و أصوات و كائنات متحركة! و لكن لترهقني دعني أتكلم، سترى كيف أبدو و كأنني أتلو الكلمات من على شاشة عرض، و لذا لا أتصور أي بديل كان ليحافظ على سلامتي الذهنية غير الكتابة. و لكني أكتب حتى حين لا أكتب، أقوم بتكوين النصوص في رأسي و هذا يجعلني أكسل من أن أدونها على الورق أو أية وسيلة حفظ أخرى، لأن التفكير في صياغة الجمل و معالجة سلامتها النحوية و كل تلك الشكوك الإملائية يقطع استرسالها العفوي، و قد تهرب من بين يديك أجمل الحكايات إذا أنصرف اهتمامك عنها، أما إذا توجهت لها بكل انتباهك حين تناديك، فسوف تعود مجدداً و تسمح لك أن تعيد روايتها بصيغتها المكتوبة مقابل أنك أحسنت استقبالها أول مرة. دع خيالك و شأنه حين ينزلق إلى الدخول في القصص من وراء الأشياء حين تراها، لو اعترضْته بالتفكير فسوف تقوم بإفساد كل العملية، الخيال تقتله المعرفة المزيفة.

عندي ابن خال مختلف.. أدري كلنا مختلفون؛ و ميزته بامتلاكه “كروموسوم” حَكم عليه “الطب” بأنه “زائد”، إلا أن زيادته تظهر على صورة حب أكثر و صدق أكثر و طفل لا يكبر. قبل أن يتم إرغامه على التشبه بالكبار؛ ذلك النوع من الكبار الذين لا يرون في لعب الراشدين سلوكاً لائقاً، كانت لديه حقيبة عجيبة يجمع فيها أشياء غريبة، مثل دمية بلا أطراف، عجلة مطاطية بلا سيارة، مصباح لعبة لا يعمل… و كنا نُشبِه حقائبنا المدرسية بحقيبته حين نعثر فيها على غرض تالف غير صالح لأي استخدام؛ حيث من المعتاد أن اقتناؤنا للأشياء يكون من أجل ما تفعله لنا و ليس لذاتها، و تعطُل الشيء عن أداء وظيفته يعني التخلص منه. أنا لا أمتلك من ذلك الكروموسوم (الزائد) الذي يترك الإنسان طفلاً إلى الأبد، و لكني أعرف معنى أن تُحَب الأشياء لذاتها و ليس لما تعمله. تناديني أمي باسم ابن خالي الطفل الذي لا يكبر حين تضبطني و أنا أحتفظ بقطعة من جهاز تالف لأني أجدها جميلة كما هي حتى إن كانت بلا “فائدة”. أحياناً يأخذني العطف على لعبة مشوهة إلى أن أشتريها حين أفكر كيف سوف لن يختارها أحد و ستحزن و قد يتم التخلص منها بقسوة. و اتساءل هل كان طفلنا الكبير يقصد إنقاذ الأشياء المعطوبة التي يجمعها في حقيبته؟! و هل يدري بأن حقيبته تعني القبول و الحماية و الرعاية؟

 

ليس عليك أن تكتب من أجل أحد، فقط من أجل نفسك. و ليس لأحدٍ أن يكتب كتاباً من أجل أن يكتب كتاباً فقط، فهذا لن تكون له صلة بالواقع؛ و سيكون مجرد كتاب. *إميل سيوران

الكلمة هي الفعل

IMG_3638

كنت قد أشرت هنا إلى تطبيقي لبرنامج Find Your Word 2016 بغرض التوصل إلى وضع عنوان عريض ليكون الإطار العام لكل ما ستحتويه السنة، و كانت “الكلمة” قد ظهرت معي منذ اليوم الثالث و مع هذا أكملت اليومين المتبقيين (لأتأكد).

كانت تلك “الكلمة” تُصدِر وميضاً خافتاً خلف كل كلمة من كلماتي العشرين الأولى، ثم أخذت تزيد حدة و سرعة تتابع ومضاتها بينما أقوم بتصفية العشرين إلى الخمس كلمات النهائية، حتى تحولت بالأخير إلى لطخة كبيرة مضيئة بقيت تنتشر حتى غطت كل الأوراق.

كلمة واحدة تُخبر عن امتلاك الجاهزية القصوى لتكريس الوقت و المساحة و الطاقة التي تعادل حجم أهمية كل ما هو مهم لدي، أو لنقل؛ لدى غيري! لأنني (و كما في كثير من شئون الحياة الاعتيادية) اضطر لاختلاس النظر إلى أوراق الآخرين لأعرف كيف سأُقَدِر مقدار أهمية بعض الأشياء.

أُغافل القرد الصغير العابث بداخلي الذي قد يقود أي أحد إلى الجنون (و لكنني أتعايش معه بشكل جيد)، و أجرب تنظيم العفوية الطاغية التي تدير أيامي. و أدري كم يصعب على الذين يعرفوني الاقتناع بأن كل ما أعمله و كل ما أنجزته في حياتي نابع من عفوية الطفل فيَّ.

كل هذا الذي ترونه مني، و كل الذي أخفيه عنكم كذلك، هي أشيائي التي أحب، لا يمكنني أن أمارس إلا ما يثير شغفي، و قد عملت على التأكد من ذلك عندما سلمت السنة و نصف الماضية بالكامل لتسير “على البركة” و بقيت كل الأمور تتالى في سريان و بلا جهد مني.

لم تتبدل معايير أدائي، ما زال حرصي على الإتقان، حس المبادرة بتولي القيادة، انغماسي بالمهمة بلا ملل حتى تتم… و لكنني أميل غالباً لتصديق ما يقوله الآخرون حين يتعلق الأمر بمكونات العالم المادي الذي لا تنسجم معه روحي. يخبرونني بأن علي أن أفعل (أو لا أفعل) الشيء فأجرب بنفسي و أرى.

لأنه بالنهاية لن يمكن لأحد أن يخبرني بما علَيَّ أن أشعر (أو لا اشعر) به؛ لذا لا أرى بأساً بخوض تجربة العيش لمرة وفق “خطة عمل” سأقرر بعدها إن لائمني النظام أو أقوم بتغييره. صارت عندي مناعة قوية ضد التأثر بلدغات الأشخاص من فصيلة Mr. I Know Everything

ما زلت أتناول المسألة كلعبة؛ استيقظت يوماً و قلت: “اليوم ألعب لأفوز” و فزعت قليلاً؛ فأنا ألعب كل يوم لألعب و حسب فما الذي تغير الآن؟! من معرفتي لذاتي سأقول بأنني رفعت من مستوى اللعب لا أكثر.. ما زلت أسير في خط الاستمتاع بالحياة.

لماذا “الالتزام”؟ تبدو لي الكلمة بعيدة عما أقصده بها حين تُقال باللغة العربية حيث تبدو أكثر تزمُّتاً من مرادفتها باللغة الإنجليزية حيث تبدو مسترخية أكثر في تعريفاتها. و هي (الكلمة) ظهرت لي كعامل مشترك يجمع كل “كلماتي” برابط واحد.

الالتزام مع “الناس” يتضمن الارتباط بأفراد العائلة و فريق العمل و مساعدة الأصدقاء و التعاون مع الزملاء و كلهم في دائرة الأخذ و العطاء (التعلُّم و التعليم)، و قبل الناس هناك التزامي مع “نفسي” بالطبع، ثم يوجد الالتزام مع “البيت” و فيه مساحة العمل و حيز اللعب و التذوق الجمالي و النشاط الحركي؛ لدي التزام مع “البهجة” كذلك و هو نوع من عقود الاحتكار لا يمكنني المخاطرة بفسخه.

بتوهجي و نموي، مشاركة حماقاتي و الاحتفاء بوجودي، و التزامي الذي يغلف كل تلك الأشياء بالحب، و بالحب يتولد كل الإبداع و العافية و المقدرة و التمكن التي تجعلك تلتزم بسهولة بكل التزاماتك؛ التزامي بقيمتي الأعلى و هي الخدمة؛ حين أكتب و أتحدث.. أُشافي و أساعد.. أشجِع و أُلهِم… و اعتنائي بنفسي هو عنايتي بالآخرين؛ إذ أن كل تفاصيلي موجهة نحو خدمة “الكل” الذي يجمعنا.

طبعت هذه الورقة 100_Things_Committed_To و افترضت بأنها ستكون قد امتلأت على نهاية العام، إلا أنها و خلال يوم واحد انشغلت ب58 من الأمور التي أود جعلها من ضمن قائمة التزاماتي، حتى أنني تحايلت عليها بدمج بعض البنود باعتبارها تفرعات من الشيء نفسه! المضحك أن خامس التزام قمت بكتابته في القائمة هو “شَعري” و لا أدري كيف يكون التزام المرء مع شعر رأسه و لكنني أدري كيف بعض الأشياء حين تبدأها يصعب عليك التوقف عنها؛ مثل اعتيادك على حلاقة شعر رأسك بالكامل كلما تجاسر على الطول و أوشك على تجاوز خط نهاية الرقبة.

ربما تحتاج نوعاً من الإلزام لتحافظ على بعض الأشياء التي لا يمكنك التمسك بها حين تكون معتاداً على التخلي؛ اخلق بعض الارتباطات لتكون بمثابة الخيط الذي يشدك عن الارتفاع أكثر من اللازم. حين أحدنا يبقى يتخفف من أثقاله فيجد نفسه فجأة على ارتفاع بعيد جداً عن الأرض حتى أنه يختفي عن الأنظار و لا يعود يسمع كل ضجيج العالم في الأسفل الذي ما زال يراه من حيث هو لا يُرى، و حين تُكثِر من النظر إلى الأعلى و تصبح خفيفاً جداً إلى أن تكاد تتلاشى و تذهب إلى المكان الذي تذهب إليه “البالونات” الضالة و كل الأشياء التي تختفي! لن تعلم ما الذي ينتظرك هناك لأنه لم يحصل من قبل أن عاد “البالون” الهارب من يد صاحبه ليخبرنا عما يوجد في سماء العدم التي تبتلع الأشياء الضائعة.

 

 

 

Tale of One Wonderful Snail

نعم أنا بطئ، و لكني لست كسلاناً، السلحفاة كسولة، و لكن ليس أنا! أدري أدري، لا يجوز أن أتكلم بالسوء عن الآخرين في غيابهم، و لكنها حقا كسولة. ماذا؟! سبقت الأرنب؟! و ماذا لو لم يتقاعس الأرنب في غروره، هل كانت لتسبقه؟ لن نعرف ذلك أبداً. و أنا بطئ أيضاً، و لكن جرِّب أولاً أن تكون بحجمي و لنر عندها بأي سرعة سوف تتحرك. و أؤكد لك، ستكتسب حكمة تقدير التفاصيل الصغيرة في رحلة الحياة. فحين ترى الأشياء بعين الحلزون، تتعلم كيف تدع نفسك يعبرها الطريق و هي تمشيه، فوق ما يستغرقك التركيز على بلوغ وجهتك. إنك ترى كل شئ بحجم أكبر و يمتلأ قلبك الصغير بالأسئلة.

أنا من سلالة عريقة حجزت لها موقعاً بارزاً في عالم الدلالات الرمزية، و هكذا غدت مشاهدة أي إنسان لي، وحياً له بالتفاؤل و السعادة، و رسالة أمن و سلام، و كَشْفَاً لمعبر جديد محفوفٌ بفرصٍ للنمو. حتى و شكلي يذكر بالمتاهات، إلا أنه لا يحمل في دوائره الخوف من الضياع. هل كنتم تعلمون ذلك عني؟ لا أضيع أبداً، و يمكنني دائماً أن أعود لمكاني مهما ابتعدت في تجوالي (تخدمني أجهزتي الاستشعارية أسفل عيني). و في معظم الحضارات القديمة، تم اتخاذ أسلافي رمزاً لدائرة الحياة، الموت. و الانبعاث، ليس بمعنى الانتقال و العودة بالولادة من جديد، بل شئ أقرب للمرور بمراحل النضج الروحي.

و تم النظر إلى الفصيلة التي انحدرت منها ككائنات مقدسة عند شعوب حضارة “الأزتك” (الذين استوطنوا المكسيك من أواخر القرن الثاني عشر حتى عام ١٥٢١) على اعتبار أن التفافات قواقعنا اللولبية تشبه دورة الحياة. و عنى ظهور واحد منا عند الإغريق (اليونانيون القدماء) إشارة إلى أن المحاصيل صارت جاهزة للحصاد، و هكذا ارتبطت صورتنا بالخصوبة و العمل الشاق المثمر. و هناك ممارسة استشفائية لدى الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) ضد وجع الأسنان، تتم بترك الكائن الحلزوني يزحف بجسمه الرخوي في داخل الفم حتى يترك مَسْحَةً من آثاره اللزجة على كل أجزاء اللثة. هذا هو العلاج! و الحلزون المسكين من سيعالجه بعد إساءة المعاملة هذه؟!

بطئي في عمل الأشياء، مثابرتي، و ثباتي، ليست كل ما يميزني، و لكن مصدر قوتي و اعتزازي بنفسي هو هذا الدرع الصلب أحمله فوق ظهري بالتواءاته الجميلة، و حين أتقوقع بداخله كونه وسيلة دفاعي عن نفسي. درعي الحامي هو بيتي، مأوى و سلاح، أليس البيت هو كل شئ؟! هو مكاني و أنا فيه، و مكاني و أنا خارجه، فهو لي وحدي و لا يسع غيري، لا يمكنني السماح لكائن ما كان باختراق مساحتي فيه، و كذلك لا أخرج منها إلا حين يكون المحيط دفء و أمان، و إلا فإني بالداخل مطوي على نفسي و لا شئ بالخارج يدل على تواجدي بالقرب، لا شئ. لن يرى الخطر القادم نحوي أكثر من جسمٍ مستديرٍ صلب، لا تبدو عليه حياة فلا يغري باستهدافه، و هكذا يتجاوزني الأشرار بأذاهم.

و لكن، بعد كل ذلك، كيف أكون حلزوناً عجيباً؟ فحياتي لا تختلف بشئ عن حياة أي حلزون عادي. هذا ما تقولونه الآن، و لكنكم ستغيرون رأيكم بعد أن أخبركم بما أفعله في الشتاء (حين تختفي كل الحلزونات في سباتها الدافئ). فأنا أبقى أخرج من قوقعتي و أذهب في جولاتي النهارية تماماً مثلما أفعل خلال بقية فصول السنة، و أبرد، و أشعر بنوع من الألم، و لكني اكتشفت بأن البرد لا يقتل، و هكذا يكون دَفْنُ الحلزونات نفسها في مخابئها مضيعة لوقتٍ من العام له جماله. و أنا أيضا أشرب الشاي! هل سمعتم من قبل عن حلزون يشرب الشاي؟ بل إنني الوحيد من بين كل الرخويات الذي أفعلها! أشربه ليحتضنني بدفء من نوع آخر يجعلني أبرد و أنا سعيد! ثم إنني قد سميت موسم البرد Tea – Time، هكذا سمعتهم كيف يعلنون عن موعد شرب الشاي في عدة أماكن مررت بها أثناء تجوالي الطويل، أنا أتعلم الأشياء حين اسمعها.

ليس هذا فقط، و لكنني أقص حكايات قديمة لم يعد يذكرها أحد، حكايات تدور حول كل ما يشبه البشر فينا، و حول الكائنات القريبة من الأرض حتى يمكنني أن أراقبها و أفهم كيف تعيش و ما هي دوافع سلوك كل منها في المواقف المختلفة، و حول تلك المخلوقات الطائرة التي تنزل أحياناً من السماء يجذبها الفضول لتجربة شرب الشاي أن تخبرني قصصاً تشاهدها أثناء تحليقها. و بهذه الطريقة تمكنت من جمع كل ما لدي من كنوز الأحاديث النادرة، حقائقاً و خرافات، وقائعاً و إشاعات، لا يهم، عندي من كل شئ أسرار. و شئ آخر بعد سيدهشكم بي… أنا أقرأ، صدقوني حين أقول لكم بأنني أنا الحلزون القارئ الذي تم تسميته إهمالاً بBookworm و لم أفكر مرة بالدفاع عن نفسي، لا وقت لدي لتصحيح هذا الخطأ الذي تم اعتماده نتيجة إلى أنني حين أزور المكتبات لأقرأ أتخفف من قوقعتي فيظهر شكلي مثل الدودة. “دودة كتب” ها؟! لا بأس، لا يزعجني ذلك و أنا الحلزون العجيب.

و هناك ألوانٌ أخرى ما زالت تُحَلِّق بدون أسماء

لقد قرر البشر، شرط الاعتراف بشئٍ أن يكون له اسم، و إلا فلا وجود له. و أنت هو اسمك و لونك، و صفة الأشياء التي تعود لك، و من مجموعِ أسماءٍ يتشكل انتمائك، و من اسم المجموع تتعين هويتك. أما المكان الذي جئتُ “أنا” منه فليس له اسم، و ليس لنا فيه أسماءٌ كذلك، و لكن يمكنني أن أقول له الآن وقد عرفت كيف تُسمى الأشياء بصفاتها الظاهرة عليها أو بما يوجد فيها: “المكان البرتقالي”. في مكاننا كنا “كثير”، و لكن يمكنني أن أقول الآن بعد أن عرفت كيف تُحسَبُ الأشياء بالأرقام، أننا كنا خمسة، و في حساب أهل الأرض نحن “قليل”. و وقت مجيئنا إلى هنا توزعنا على مواقع متباعدة، و لأنه ما كانت لنا “صورٌ” في ذلك الحين، ضيعنا بعضنا، و لن نتمكن من التعرف على أنفسنا فيما لو تصادفنا مرة و مرات.

تقاطعت مساراتنا أحياناً أثناء تحليقنا في النوم، ففي مكاننا كانت كل حركتنا تحليق، و في الأرض، حين كان كل نومنا طيران، كنا نتجه دونما اتفاق للمساحات التي جمعتنا في السابق. في العادة يكون انسيابنا مع الرياح، هكذا اعتدنا أن نترك أرواحنا لتنقاد محمولة فوق خفة الهواء، و لكن في مرتي الأخيرة، كنت أطير في الخشب، أرْتَفِعُ بسرعة بداخل المباني و أروح أطير في الأسقف الخشبية، ليس تحتها و لا فوقها، بل بداخلها، و رأيت كيف كلنا فعلنا الشئ نفسه في تلك المرة، حتى و قد كنت أُعَجِّل بالفرار كلما لمحت “الطائرين” الآخرين، و فكرت بالحيرة حول ما يحصل معنا، و قلت ربما هذه هي نهاية ارتباطنا، و هكذا عرفت بعدها أن الأشياء “تصير” حين نقولها.

المكان الذي جئت منه، لا صوت فيه، و نحن لا نتكلم، فقط نلتقط أفكار بعضنا البعض، و كلا، ليس لدينا من هذا الشئ الذي حكى لي واحدٌ من الناس عنه و قال اسمه “مشاعر”، كلا، ليس سوى الأفكار، و الآن بعد زمنٍ من التواجد بين أهل الأرض، يمكنني القول إن “المشاعر” هي “أفكار” و لكن لها أسماء و لها أصوات و عرفت الآن أنها تعني الشئ ذاته الذي كان يحصل معنا (بالألوان). و بالمناسبة، لم أعرف أن لتلك الأشياء التي تُدعى ألوان، أسماء تصفها إلا هنا، فكما قلت لكم، لا ننشغل في مكاننا بتسمية الأشياء، و لا وصفها، نحن فقط نعرفها، و أفكر بالدهشة كيف هنا لكل الأشياء أسماء، أقصد لكل شئ واحد اسمٌ و اسمٌ ثانٍ، أو أسماء كثيرة، و قد قالوا لي في البداية أنهم يسمون الأشياء ليعرفوا كيف يقولونها حين يتكلمون، ثم رأيت أنهم يزعقون بأسماءٍ أيضاً ليقتربوا من بعضهم، و لم أفهم لماذا علي أن أقول كلمات تجعل الناس تأتي لعندي، و الأصوات ما زالت تجعلني أفكر بالخوف.

“المشاعر” بالشكل الذي قال لي الناس عنه، بدت لي مجرد شئ تم اختراعه و تسميته، و ابتُكِرَ له عمل يؤديه، و ذلك العمل هو تغذية الثرثرة و إشباع الفضول، ربما، شئٌ جاء مع الكلام، و بما أننا لم نكن نتكلم هناك، فإن هذا قد يفسر جهلنا بوجودها! هي “أفكار” و لكنها ليست حقيقية، قالوا اسمها “مشاعر” للتميز بينها و بين الأفكار الحقيقية. أما الشئ الذي كان يحدث فينا و الذي يمكنني أن أرى بأنه الشئ شبيه “المشاعر”، فهو ما جعلني أطلقت على المكان الذي جئت منه اسماً ينسبه إلى “لونٍ” له اسم، ليس بسبب أن المكان بهذا اللون، فالأماكن ليس لها ألوان حين لا نكون فيها. و في الحال التي كنا عليها هناك، حيث لا “أشكال” لنا و لا أجسام يمكن لمسها، لم نكن سوى ما عرفت بأنكم تسمونه هنا طيف ربما أو “هالة”، كان “البرتقالي” هو لوننا طالما أننا في وضع الاستقرار، لا أدري إن كان يمكن التعبير عنه بهذه الكلمة، فأنا لم أتعلم كيف تُقال كل الأشياء بعد.

إن مجيئنا إلى هنا كان آخر فكرة تمكنَّا من التقاطها من أفكارنا قبل أن نغيب و نفقد وجودنا، فالذي حصل هو أن ألواننا اختفت و لم يعد بإمكاننا معرفة أفكارنا، لا أذكر كيف حدث لنا ذلك، فكما أَشَرت، يظهر بأن التغيرات التي كانت تعتري ألواننا هي “الشئ شبيه المشاعر”، غير أننا لم نكن نقف عندها، و كنا نهرب من التقاط الأفكار التي يرسلها الذي يمر بحالة لونية غير مستقرة تجعله يبتعد بدرجة أو درجات عن “البرتقالي”، و ذلك بالتحليق بعيداً عن المكان الذي كان محدداً لينزوي فيه كل من كان يختبر تغيُراً من ذلك النوع في أي وقت إلى أن يسترجع لونه و يعود للتحليق معنا، و الحقيقة أنه لم يقع لنا مرة أن تغير لون أكثر من واحد منا، فلم نواجه صعوبة بالاتفاق على علاج الحالة بإبعادها. ثم الآن عرفت أن تلاشي ألواننا كان يعني موتنا عن التجول هناك على شكل أفكار لا تتوقف عن تبديد نفسها تحليقاً في خيالهم، و ولادتنا هنا حيث أمكننا تجسيد أحلامهم (أعني الناس في الأرض).

عندي شباك مفتوحٌ على العالم مثل كتاب

في نافذتي النهارية تُعَشِش اليمامات، ليست قبيحات، و لكنني لم أتمكن من حبها، أحاول و لكنها لا تتجاوب معي، تأكل من الطعام الذي أنثره لها و تشرب من الماء الذي أضعه، و لكنها لا تسمح لي بالإقتراب منها، تفر من يدي الممدودة، تصطف في طابور متعرج فوق الزوائد الحجرية بحائط المبنى المجاور و تأخذ في التحديق بي حتى أضجر و أبتعد إلى الداخل. أوبخها بينما تهرب: “هل هذا الأكل ينزل لكم من السماء؟! إنه مفتت بيدي التي أمدها مسافة إلى الخارج لرشه على السطح الخارجي الممتد أمام شباكي، فكيف لا أنال ثقتكم؟ هل سأطعمكم لأؤذيكم؟!”… و لكن، مهلاً، أليس هذا ما يفعله الإنسان في الواقع، حتى لأخيه الإنسان؟! “حسناً، معكم حق بأن تخشوني”…

في يومٍ جعلتني أقترب بشكل غير معتاد، كانت تتحرك بالقرب من ذراعي: “أرأيتم كيف هي سهولة الأمر؟ الآن أحبكم! هكذا تجري الأمور، نقترب فقط، ثم نحب بعضنا البعض، لا أطلب منكم أكثر من ذلك. لا تخافوا، حتى نحن البشر نفعلها بهذا الشكل”… و طارت اليمامات مبتعدة، ثم لم أعد أرها منذ ذلك اليوم. واصَلْتُ وضع وجباتها حتى تأكدت من أنها لا تأتي حتى أثناء غيابي.

واحدة منهم ما زلت أراها كل يوم على الجزء النافر من أنبوب تصريف في سطح المبنى المجاور. أحاول إقناعها: “يا بنت الطير، ليس سوى أنت و أنا الآن (خلينا نتفاهم)، أنت وحيدة و أنا وحدي، تعالي نتشارك الخبز معاً”، لا يبدو عليها أي اهتمام. قلت ربما أكسب ودها بالدعابة: “يا بنت الطير هالماسورة ما بتطير” و بلحظة أتفاجأ بعنصر آخر لا يشبهها يحط قريباً منها، و الظاهر عينه على أنبوب الاسترخاء (تهديد لسيادتها)… فهمت الآن، لا يمكنك التحرك من مكانك و إلا ذهبت ملكيتك! صحيح، يا لسخافتي كيف لم أنتبه لذلك؟ فحتى في عالمنا “الإنساني” يحصل مثل ذلك!

أراه ينتظر لفترة و حين لا تتزحزح من مكانها يغادر. أقول: “تدري؟ سأبقى أضع بقايا تفاحاتي الصباحية اليومية و لكن لا تطالبيني بأكثر من ذلك، بل و سأطلب منك أن تحفظي المسافة بيني و بينك. و، عفواً، زجاج نافذتي ليس مكاناً لإخراج فضلاتك الحيوية… نعم؟ أدري حتى نحن الناس نفعل ذلك ببعضنا و لكن هذا ليس شأنك” 😦

“أصلاً، تلك الحمامة البيضاء الجميلة التي وقفت على الحافة منذ خمسة أيام، و التي ارْتَعَبَتْ من شهقة الابتهاج التي خرجت مني فرحاً برؤيتها ثم طارت، ستعود مرة ثانية، لأنها تمكنت من جعلي أحبها دون حتى أن تقترب. أحياناً تجري الأمور هكذا، حتى معنا نحن البشر، نحب بعضنا البعض من على بعد” 🙂

————————————————————————–

كتبت عن النوافذ من قبل، أفكر بها كثيراً مثل عالمٍ مفتوحٍ على العالم، إن كانت ثابتة تطل على شارعٍ أو حديقةٍ أو بحر، أو متحركة تطل من سيارة أو قطار أو طائرة:

————————————————————————–

من نافذتي النهارية، تنال مراقبة الطريق الذي لا تهدأ حركته من السيارات و المشاة نصيباً من وقتي، و كأنني أتوقف لمراقبة أيامي: أتأمل كيف معظم السيارات ألوانها بالأبيض و الأسود و الرمادي/ الفضي، و أقل منها درجات معينة من الأزرق و الأخضر الغامق، ثم الأحمر، و بعدها بقية الألوان نادرة. و أفكر هل حقاً كل هؤلاء يفضلون الأبيض و الأسود فقط؟ هل هي ألوانهم المفضلة بالفعل أم هي محاولة فقط للاندماج مع الأكثرية؟

تظهر ألوان مختلفة من وقت لآخر، تجعلني أبتسم تلقائياً و كأنني عثرت على أحجار كريمة كنت أبحث عنها بين حجارة عادية. أحاول تخيل الراكب في السيارة البرتقالية، هل هو رجل مميز لهذا الحد، و هل يشبه لونه؟ أم انه قد اختاره فقط لأنه مختلف؟ الأصفر؟ هل من يركبها متهور لدرجة الحمق، صاخب لا يمكنه التحدث بنبرة منخفضة و لا يفعل أي شئ بشكل صحيح؟ الأخضر؟ هل هو لطيف لهذه الدرجة، صادق و مباشر، أم أنه مجرد دماغ ممتلئ بلون شعار فريقه الرياضي المفضل؟!

————————————————————————–

المشاوير الطويلة لا تضجرني، بل على العكس، تستهويني الحركة، الأوقات التي أقضيها بداخل وسائل المواصلات ليست ساعات فارغة، فهي فسحة وقت ملائمة جداً للقراءة، و حصل عدة مرات أن أكون منغمسة في صفحات الكتاب بين يدي إلى الحد الذي أحتاج فيه لمن ينبهني لتوقفي في وجهة الوصول، غريب كيف أنني حتى لا اشعر بأن السيارة لم تعد تتحرك!

شئ واحد قد يغنيني عن حمل كتاب، و هو “قراءة” لوحات المحلات، الشركات، المستودعات… و كل ما يظهر بطريقي منها، حتى لو عبرت الطريق نفسه لعدة أيام (لسنوات) سأبقى ألتقطها و هي تتابع مسرعة أمام عيني. دائماً أتمنى لو أمكنني التوقف عند بعضها لالتقاط صورة لها لطرافة المسميات فيها أو لغرابة تصاميمها، لو أمكنني ذلك لكان لدي الآن ألبوم ضخم أجمع فيه صور لوحاتي المفضلة. بعض الأسماء أحاول تخيل كيف تم التوصل إليها، و كيف هو تفكير صاحب المشروع هذا حتى تكون هذه علامته التجارية؟ أحياناً يصدمني حتى كيف تمت الموافقة على تسجيل بعضها و كأن لا معيار (لن أقول للذوق) بل لدرجة محددة من الاحترافية لدى الجهات الرسمية المسئولة عن تسجيل تلك الأسماء الفجة! بعض اللوحات تجعلك تتساءل عن كل التاريخ الذي مرت به و أنت ترى كيف تمت تغطية اسم قديم بشريحة اسم جديد مع الإبقاء على بقية اللوحة الكالح، ثم خط شريط يغطي اسم المالك القديم (الذي ما زال بالإمكان قراءته) باسم المالك الجديد.

ألاحظ على اللوحات الكبيرة التي تُعَرِف بالجهات المالكة و المنفذة لمشروع ما، بأن ثمة مربع مظلم مشار إليه ب”الوقت المتبقي لإنهاء المشروع.” و لم أره مرة يعمل. ماذا يعني ذلك؟ هل مات المشروع؟ أم أنه لا وقت محدد لدينا لإنجاز المشاريع و متى ما تم فلله الحمد على كل حال؟!

بعدها بدرجة اقل أحب مراقبة سيارات الشحن على اختلاف أحجامها و قراءة ما هو مكتوب عليها، أحياناً ألتقط أرقام مطاعم أقرر تجربتها من على سيارات التوصيل، و أحصل أحياناً على أرقام شركات اعتبرها مشاريع شركاء أو زبائن محتملين، غالباً لا يتاح لي سوى التقاط الأسماء ثم العودة للبحث عن بيانات الاتصال.

الإعلانات قصة أخرى، لأنها تأتي بجودة أعلى دائماً، و لها قصص و تصاميمها مدفوعة الأثمان تتفاوت بحسب حجم المنشأة. هذه يتاح لي على الأقل تسجيل العبارات المكتوبة عليها لتأملها، بعض الشركات تنال إعجابي بواسطة إعلاناتها.

أسبابٌ أخرى للموت


موت المسنين أمر طبيعي، و موت المرضى أمر طبيعي، موت الرجال في الحرب أمر طبيعي، أن يقع لك حادث و تموت دون تخطيط أمر طبيعي. ليس أن الموت في سن الشيخوخة أو بالمرض أو بإصابة في الحرب أقل مأساوية من موت الشباب أو الأصحاء أو الآمنين في بيوتهم (أو ما يُسمى بموت الفجأة)، و لكن حين يكون الإنسان “أنثى” فإنه قد يملك أسباباً أخرى للموت.

من غير المألوف لدى المرء أن يفتقد أحداً لم يقابله أبداً، و أنا لا أفتقدهن على وجه الدقة، إلا أن رابطاً ينشأ بيني و بين كل روحٍ أتعرف عليها حين تكون قد غادرت بقهرٍ عظيم، أو بحزن عظيم. أشعر بأن آلامهن ما زالت مُعَلَّقةً هنا تحتاج لمن يُنهيها، حين يخترن “الموت” نفير طوارئ، نداء استغاثة، حتى مع حقيقة ألا فرصة لهن بعده، تنتهي الدنيا من عملها معهن، و لكن… ماذا أقول؟! إن الرحيل على تلك الشاكلة يُهَيِّج في النفس مشاعر مختلفة عما نشعره حيال الميتات المتوقعة، المُمَهدِ لها، المُبَرَرَةِ لنا بالصورة التي تجاري قُصُورَ أفهامنا.

اللواتي يفكرن أكثر من اللازم فتقتلهن الأسئلة، تتراكم الحيرة في صدورهن حتى تخنق أنفاسهن، حِسُهُن الرهيف مثل حجر الرحى فوق الرأسِ ليس ثقيلاً فحسب، و لكن له دَوَرَانٌ لا يتوقف مُصدراً ذلك الصوت الرتيب لاحتكاك الحجرين بينما تنطحن الحبوب بينهما، و إما يقودك إلى الجنون و يثير نوازعك الشيطانية أو تستسلم لوطأة ضغطه عليك، تستكين تحته بينما تذوي ذُبالتك حتى تنطفي. “باولا” العنيدة التي رَغِبت بالمغادرة و لم تتجرأ على التدخل لإنهاء حياتها بالقوة تورعاً عن إهانة الإرادة العليا التي وهبتها إياها لِتُحسِن استغلالها بالبناء و النمو و إحداث فارقٍ من نوعٍ ما، و مع هذا تركت نفسها لتنزلق نحو معبر الخروج دون مقاومة، بل الأرجح أن اعتراضها على الاستمرار في عالم تعجز فيه عن إنقاذ الجميع هو ما حفَّز جسدها الفاني على التمرد عن العمل، أن يدخل في حالة سبات تُعفيها من أن تقرر، أن تُحَمِل الآخرين مسؤولية القرار ببقائها على ما هي عليه فهي ترفض أن تكون جزءاً من دنيا الآلام التي فاقت قدرتها على الفهم، أو بتركها تذهب، عامٌ كامل، إصرارٌ على الغياب و الأم تمنع ابنتها من أن ترحل دون أن تخبرها “لماذا؟” أن تنام هكذا و لا تستيقظ (و كذلك لا تموت) قبل أن تحكي لأحدٍ ما الذي اعترى أعماقها مستعصياً على البوح، و لا كيف انتهى مخزونها من اللغة عن أن يكفي التعبير عن بشاعاتٍ لم تحتملها. مثلها “هديل” تشترك معها في أنهما من الذين وصفتهم “إيزابيل الليندي: “نجوم وحيدة ترسل نورها الخاص، لا يتعلقون بشئ و لا بأحد، فهم إذن لا يعرفون الخوف. يمكنهم أن يلقوا بأنفسهم في الهاوية و هم واثقون من أنهم سيطيرون بدلاً من أن يُسحقوا. و يمكنهم أن يتحولوا إلى طيور لكي يروا العالم من علِ، أو إلى ديدان لكي يروه من الداخل. يمكنهم أن يسكنوا فضاءات أخرى، و أن يسافروا إلى مجرات أخرى. إنهم يبحرون في محيط لا متناهٍ من الوعي و المعارف.” و لكنهم فقط (لا) يعيشون!

كذلك “حنان” و “آمنة “، النقيضتان في كل شئ. حنان التي شربت البنزين و أضرمت النار في نفسها بعصبية، كانت ممنوعة عن الحياة، آمنة التي انزلقت من الشرفة و هي تفتل خصلة من شعرها بهدوء حالم كانت تعيش حياة ماتت حنان احتجاجاً على عدم السماح لها بعيش جزء بسيط منها. و لكن ربما ما كان يجمع كل منهما هو عجزهما، ليس العجز في شخصيتيهما عن الالتفاف على المشاكل و إيجاد الحلول للتعقيدات في حياتهما و التوجه نحو إنجاز ما سيعوض كل من فقدت شيئاً بأشياء تسد الفراغ المتخلف عنه، بل عجز في انعدام المساندة من الناس الذين يعرفون و يتغاضون عن التدخل، العجز في انعدام القوانين المُنصفة التي تجعل إحداهما تشعر بالقوة لمواجهة التعنيف المُمارس عليها، الضعف الذي تقوم مجتمعاتنا ببرمجة الإناث عليه و كيف يتم تدريبها على ألا تسير إلا بظل رجل، بل أي ذكر، تفقد اتزانها بمجرد ظهور أدنى إشارة لخسارته، الضعف بتربية البنات على السلبية التي تتضخم معها بينما تكبر حتى تتحول لمجرد كائن تابع اتكالي غيور يضع شخصاً واحداً بعالمه و يجعله المحور لكل أفكاره و عواطفه و أفعاله.

هذه أسبابٌ للموتِ غيرَ أسبابِه: (تضخم) الوعي، و “أنيميا” الوعي.

حين ننسى الراحلين،

هذا هو “الموت”. فقط أن ننساهم. النسيان فيه موتنا و موتهم، غير ذلك هم أحياء (فينا):

حين تصنع شطيرتين مُتَظَاهِراً بأنك لست وحدك، تأكل الأولى مُتَمَهِلاً بترقب أن يحضر أيٌ من الذين طوتهم الأرض، ثم حين لا فرجة تلوح بنهاية ظلام انتظارك، تتناول الثانية مُتَلَبَساً بما تفترض أن إحساس مُختارَك سيكون عليه، كان ليشعر بكذا و يفكر بكذا و يقول كذا… تبدأ بالتحرك و التموضع مثله، و التكلم بصوته…

و حين تقضم من الأشياء الحلوة نصفها لتترك النصف الثاني لغائبٍ لا يعود، تعيد لفها بغلافها و تضعها بالمكان الذي كان يحوي فوضى لوازمه الصغيرة، و تراقب كل يوم هل اختفت أم ما زال لم يعثر عليها، و بعد مدة كافية لجعلها غير صالحة للاستهلاك (الآدمي) تتخلص منها كي لا تمتد لها يد أحد الباقيين فيتضرر…

يزورني الأموات الذين نسيهم أحبابهم، لا يفهمون كيف يحصل النسيان و هم بمكانٍ كل الذي فيه “الذاكرة”… لا يفهمون، و لا أنا أفهم، فأنا لا أتذكر “مفقوديني” لأنني لا أنساهم، في شئ أكثر من مجرد سيرة قديمة محفورة في الذاكرة، أجعل لهم حضوراً ثابتاً في تفاصيل أيامي، أعيد خلق عمرٍ جديد يكملونه معي…

و يبقى لا يدري أحد و لا يحاول أن يدري كيف أحيا برفقة أطيافي العزيزة الأقرب لي من كل الموجودين في حيزي الزماني و المكاني ذاته. و كيف لهم ملاحظة ما ليس مرئياً لهم؟ لا ألومهم! لأنه لن يمكن لأحد منهم و هم على ما هم عليه من انشغال بهمومهم الذاتية أن يفكر أن كل هذا الهدوء الظاهر مني يمكن أن يكون منطوياً على قلقٍ عظيم، وجود موازٍ لوجودهم، عالم بداخلي فيه ناسه و أشيائه و أحداثه… كلا لن يحدس أحد كيف وراء كل رباطة جأشي هذه هناك خوف يكتسح مفاصلي حيال احتمالات مجهولة. و هل ألوم من هو هانئ بنعمة “النسيان” فقط لأن صخب ذاكرتي المزدحمة يفصلني عن عالمهم و يغطي حواسي عن رؤيتهم، سماعهم، أو حتى التظاهر بالانتباه لحضورهم؟!