الجاهل يدَّعي العلم و العارف يدري بأنه لا يعرف

 

Globe light bulb character in aha moment

التعلم عن الأشياء يخدمنا، و لكن المعرفة الصافية لا تصلك إلا و أنت “مستعد” لها. ما لا يمكنك فهمه فهو ليس لك، ما لا تدرك معناه فهو ليس لك، ما لا تعي جوهره فهو ليس لك، إذا لم يكن للكلام معنى (عندك) فهو ليس لك؛ ربما ليس “الآن”، و كل ما هو لك سيأتيك في وقته، حين يكون مناسباً لك، و كل ما هو لك ستتعرف عليه بنفسك. مُعلِّم حقيقي لن يُفسد تجربتك المعرفية؛ سيتركك تسلك أي اتجاه يقودك إليه حدسك، سيُغذِّي فضولك و لكنه لن يقوم بإشباعه لك، سيقول دون أن يمرر لك فهمه الخاص؛ ففهمه له و فهمك لك و فهم كل أحد هو له وحده. ما يراه كل أحد من جانبه ليس المعنى الحقيقي للأشياء، بل هي معانينا و نحن ننتقي من المعرفة ما يأتي على مقاسها. معطياتك الشخصية في استقبال المفاهيم تتدخل في كل العمليات الذهنية التي تجريها، و هكذا يختلف الفهم باختلاف التجربة. لا تحتاج أن تفهم بالقوة ما لم يمكنك فهمه ببساطة؛ اتركه لوقته و سيرجع لك متى ما كنت جاهزاً لاستقباله.

“العلم” ليس هو “المعرفة”؛ كلنا نتعلم و العلم يقوينا و لكن هناك نوعٌ من المعرفة لا يمكنك استيعابه إلا حين يوافق مرحلتك، و هذا أحد الأسباب التي تجعل البعض يجادل في صده لأي معرفة قادمة من خارج المساحة المألوفة لديه، و حيث يمكنه تجاهلها بدلاً من الإصرار على تصغير حجم كل معرفة حتى تبقى على مقاس معرفته الخاصة؛ يتفرغ لملاحقة المتخصصين بها ليطالبهم بإعادة صياغتها على صورة تُوافِق اللغة التي يُفكِر بها، كما يمكنه أن يقبل التفسيرات التي تتطابق مع فهمه المسبق لأمور أخرى لو استطعت أن تراوغ تحيزه و ترسم روابطاً تُظهر العلاقات التي تجمع بين ما تعرفه و يعرفه. و بالنهاية ليس عمل أحدٍ أن يقنع أحد، و لا أن يشرح له و لا حتى يُعلِّمه، المهتم بالمعرفة لهذا الحد سينهض و يسعى لها بنفسه، الباحث الشغوف عن المعرفة يجيد اكتشاف سبلها و يتحرك نحوها؛ الباحث.. يبحث، منهجية البحث و التي هي أقل من “معرفة” و أكثر من “علم”؛ هي جوهر كل عملية “التعلُّم”.

الإنسان الكسول يخاف من المعرفة لأنها تأتي بالمسئولية، و هناك أكداس من المخلفات التي هو متعلق بها و يخشى فقدانها. أن ترتقي المعرفة لمستوى “الفعل”.. أن “يكون” المرء ما “يعرف”؛ فكرة مرعبة لمن اعتاد التمسك بزوايا الأمان، الذي يحرص على ألا يكون مرئياً و لا مسموعاً و لا مُلاحَظاً، بتجنب فعل أي شيء! إذ أن المتسكعون على الهوامش لا يتم استهدافهم بالرمي من قِبَل مُهاجِمٍ مُحتَملٍ قد يظهر من بين الذين سيجهرون بمخالفتهم، و لا تعترض سبيلهم الحواجز لأنهم أصلاً ملتزمين بالسير خارج مضمار الحياة، مُكتَفِين باللهو على قارعة الطريق مُتَخفِّين بين الظلال. و خَطُ النورِ كاشفٌ و يجعلك معرضاً للخطر؛ فلتلتمس السلامة إذن بالاستمرار بالتحديق فيما بين قدميك، لا ترفع بصرك، صوتك يكفي، و حين يعلو صوت الجهل فَتِّش دائماً عن الخوف.. فأصل كل جهلٍ هو خوفٌ من المعرفة.

“ما فاتك لم تكن لتدركه، و ما أدركته لم يكن ليفوتك، أنت تدرك مرحلة استعدادك.” *الدكتور صلاح الراشد

 

و كيف لا أحب نفسي؟!

اقول حب نفسك يخي

 

“كيف أحب نفسي؟” في كل مرة يصلني فيها هذا السؤال يكون ردي “و لماذا لا تحب نفسك؟!” و كأنني لم أكن يوماً “هناك” أو كأنني نسيت كم من عمري قضيت و أنا أستقبل إساءات و أمر بإحباطات و اضع نفسي بمنازل دنيا في سبيل.. حسناَ؛ أصبحنا نعرف الآن بأنه لم يكن حباً و لا حتى شيئاً قريباً من الحب، ليس إلا نظاماً مصمماً للسيطرة على العقول من أجل إعدادها لتكون قابلة لاستقبال الأوامر و تنفيذ متطلباتها بما يضمن استمرار دوران العملية دون حاجة لإعادة “البرمجة” الأساس. نعم أنت مجرد “وحدة تخزين بيانات” عملها أن تنسخ محتوياتها على وحدات تخزين إضافية؛ و هكذا يواصل “النظام” تشغيل نفسه.

يمكن للرسائل التي يتم توصيلها (أو عدم توصيلها) إلينا في الطفولة أن تأخذنا نحو أشد الأماكن ظلمة في رفضنا، عدم استحساننا، بل حتى إنكار معرفتنا لذواتنا. كل عوامل هذه التجربة مخططة للتواطؤ على جعلك تصدق شيئاً واحداً حتى تعتقنه حد اليقين، منذ مجيئك إلى هذه الحياة، أول ما يتم إخبارك به هو أنك “لا تعرف”، و يبقى هذا المعنى يُقال لك بكل الطرق، في البيت ثم في “المدرسة” و في كل ما سيليهما، هكذا حتى تقرر يوماً بأنك اكتفيت من الخضوع للأكاذيب، و تبدأ تتذكر أنك بالأصل “تعرف”، و تعود لاكتشاف الطريق الذي مشيته أول مرة و أنت معصوب العينين، و لكنك الآن استعدت بصيرتك؛ و أنت الآن ترى.

حقك في أن تتم رعايتك و حمايتك و قبولك، هو شيء يأتي معك ثم يتم تجريدك منه – مثلما قام الزوجان “تيناردييه” في رواية “البؤساء” بسلب الكساء الفخم الذي كانت ترتديه الصغيرة “كوزيت” بعد استلامها مباشرة من والدتها لرعايتها مقابل أجر مالي، ثم بيع تلك الملابس و التقتير على الطفلة و تسخيرها للعمل لصالحهم طوال مدة إقامتها لديهم إلى أن تم إنقاذها من قِبَل ” جان فالجان”.. مثل ذلك أنت تأتي برداء من القداسة و أنت مستحق لأن تكون محبوباً و مرغوباً و محتفىً بك دون أي شرط، و لك أن تتم تغذيتك و إشباعك و إنماؤك بلا أي مقابل منك، و حصتك في مصادر هذا الكون مكفولة و أنت تحب ذاتك؛ و أنت تنمو؛ ثم و أنت تخدم وجودك.

و لكن أهلك (مثل معظم البشر) مدربون على وضع ثمن عليك أن تدفعه مقابل “حقك” في العيش و في البقاء، و حقك في أن “تكون”! كل ما يتم تقديمه إليك من لحظة خروجك إلى الدنيا سيكون مختوم برقعة “سعر”، و من الآن كل العلاقة التي تحكم تعاملاتك معهم ستكون أشبه بكشف حساب كبير مُعَد لتقييمك و محاسبتك و تغريمك عِوض كل اشتراط لن يمكنك الوفاء به، و كل توقع ستعجز عن تلبيته، و كل دور مرسوم لك حين لا تتمكن من تأديته. مستوى جودتك هنا يعادل أهمية وجودك، و بقدر ما تجتهد بجعل نفسك ملائماً ستنال من الاحتواء، و كلما انصهرت على شكل القالب المُعد لك فأنت في أمان.

و بينما يتم تدجينك؛ فإن كل احتياجاتك (التي تخدم هذا الغرض) تندرج تحت بند “الضرورات” و لا يمكن اعتبارها مشكلة حتى عندما يتعسر تأمينها. و في الظاهر، سيبدو و كأنه قد تم بالفعل سد كل حاجاتك و احتضانك بينما تكبر و تجهيزك بما يلزم للانطلاق في طريقك متحرراً من كل الروابط التي ستشدك إلى الأسفل، إلا أنك ستُذهل حين تخرج إلى “العالم” و تكتشف بأن كل العملية كانت تهدف إلى جعلك مربوطاً بشدة بهم حتى لا تستطيع أن تغادرهم حين يحل وقت استحقاق ديونك لهم، و كل زيادة في ما أُعطِيته من قبل؛ تُحكِم قيودك أكثر حتى لا يمكنك الفرار بعيداً إلا بقدر ما ستسمح به مطاطية النسيج الذي تم غزله من حولك.

كل ذلك “الحب” المزيف لن يترك لك مبرِراً لأن تغضب منهم فتقوم بتوجيه الغضب إلى نفسك، و كلما شعرت بالاستياء تجاهد نفسك بكبته و تستبدله بالشعور بالذنب، لأن المعلومات التي تم تخزينها في ذاكرتك تخبرك بأنك الآن جاحد للمعروف، و من هنا تأتي كراهيتك لنفسك (أو انعدام حبك لنفسك). غضبك المتفاقم هو الحب الغير مُعبر عنه؛ لأنهم لم يحبونني كما يجب فلا بد من أنه ثمة خطب بي، قد أكون لا أستحق و ربما هم محقون و أنا فقط “لا أعرف”! كم أكره نفسي؛ و هم أيضاً لا يسمحون لحبي لهم بالخروج لأنهم لا يحبونني و لا أعرف ما الذي علي فعله لكي أستحق أن يحبوني و يسمحوا لي بأن أحبهم…

تذَكَّر قبل كل شيء أنك بالأصل روح لا تعرف إلا الحب، و ذلك الحب ليس مرتبطاً بما قد تفعله أو تقوله أو تكونه، الحب هو أنت على حقيقتك. روحك أوسع من أن تضيق عن احتواء جماعتك و ناسك و كل البشر، و حين تفهم كيف تحولت محبتك إلى غضب و كيف توقفت عن حب نفسك لأنك مستاء من الآخرين، فستتعلم كيف تعود إلى حالتك النقية من كل بغض، ومن ذلك الأسى الذي تراكم فيك بفعل تتابع التجارب المؤلمة عليك حتى لم تعد تعرف من أين بدأ مقتك هذا و لمن هو موجه و لأي الأسباب. توقف هنا لتدرك بأنك ما زلت تلعب لعبتهم؛ أنت كذلك لا تعرف كيف تحب، جرب أن تبدأ بإسقاط كل مفاهيمك القديمة عن “الحقوق و الواجبات”.

استهدف الحب و انسَ أمر العلاقات؛ توقف عن انتظار شيء من أحد، خصوصاً ما لم تقدمه أنت لنفسك، و توقف عن افتراض ما هو حقٌ لك على غيرك و ما هو واجب عليهم لك، قم بفصل أدوار الناس في محيطك عن توقعاتك منهم، تلك والدتك و كان من الممكن بحسابات أخرى أن تكون مثلاً جارتكم و تبقى هي ذات الشخص بكل مواصفاته و سلوكياته و ميزاته ثم لا تحصل منك على ردود الأفعال و الانفعالات و المواقف ذاتها. لا تفرض تصوراتك (أو الإطارات المتوارثة) على الناس بناءً على صفات قرابتهم بك، و سيسهل عليك الخروج من دائرة توجيه اللوم و تبادل الاتهامات، و أيضاً الامتناع عن مقارنة ما تعطي بما تأخذ.

طالما أنك تحيا في العالم المادي فسوف تنطبق عليك قوانينه؛ الخلل الظاهر يتم إصلاحه من الخارج و بعد ذلك يكون التفرغ لصيانة “الداخل”. و قبل أن تمتلك مهارات العيش من العمق؛ لا تسمع لمن يحدثك عن مبدأ العمل من الداخل للخارج؛ لديك ثغرات تستنزف طاقتك، لا بد من معالجتها أولاً حتى تتمكن من استجماع قواك الداخلية. ضع نفسك أولاً و تجنب تكريس عطاؤك للآخرين في هذه المرحلة؛ لا تنسى، أنت تحب نفسك أولاً، ثم “أنت” تنمو، و بعد ذلك فقط تكون ثمارك صالحة لأن تقدم منها لمن تريد و على حجم ما تركت نفسك لتنمو.

العلاقات تُبنى على احتياجات و متطلبات و اشتراطات، و لا بأس في ذلك، و لكن استرجاع الفطرة على الحب سيجعل كل علاقاتك لا تعكس إلا ظلال الحب، و ستنتهي من نوع العلاقات التي تتذبذب فيها المشاعر بحسب مدى التزامك بتلبية شروطها أو تقصيرك فيها. و حتى النهايات لن تكون مؤلمة بَعدْ، و لا مشحونة بالغيظ، إذ أن الحب الشامل ينساب عند إحياؤه ليغمر ذاتك و يفيض على غيرك و يلامس كل الأشياء من حولك؛ لا يجعلك محدوداً و لا منفصلاً، هو كلِّي لا يتجزأ. حبك لذاتك يتجسد بحب جميع الأشخاص في عالمك لك، و لا يمكنك ادِّعاء هذا النوع من الحب لنفسك و أنت تعاني من انعدام الانسجام مع الناس في محيطك، يمكنك أن تخدع نفسك و أن تكذب على الآخرين و لكن لن يمكنك التحايل على عالم النوايا الحقيقية؛ الخارج هو مرآة الداخل.

ستتأكد لاحقاً أن كل من هو متواجد بعالمك فهو إما نسخة قديمة منك أو متقدمة عنك، و هذا سيكسبك منظوراً جديداً أعلى من “عدم المقاومة” أو مجرد “القبول”، سيصير احتفاء بكل أحد مهما كان ما هو عليه، و احتواء للجميع بكل ما فيهم، و لا يصل أحدهم إليك إلا و هو مرحب به سلفاً ليكون “نفسه”، حقيقياً و على طبيعته، و هذا هو الوجه الآخر لقبولك ذاتك. بالتدريج سيختفي من مجال تعاملك كل من يتعارض وجوده مع اختيارك للحب و سلامك الداخلي و اتزان إدراكك.

يمكنك أن تبدأ التدرب على حب النفس بتكثيف اعتناؤك بك، قم بهذه الحيلة و تخيل أنك ذلك الحبيب الذي تسعى لجذب انتباهه ليقع في غرامك. كل ما تراه سائداً على اعتباره تعبيراً عن الحب من شخص لشخص، خذه و مارسه مع نفسك؛ تجَّمل بسخاء.. أخرج في نزهة.. تكلم بلطف.. تجاوز زلاتك.. لاحظ تفاصيلك.. قدم لك هدية.. مشروب دافئ.. رسالة غزل… اعطي لنفسك على الجودة التي تعطيها لغيرك، و إن كانت متدنية من الجانبين؛ ابدأ بالجانب الخاص بك، إذ كما أن سلوكياتنا هي المؤشر الذي يعطي قراءة صادقة لما بدواخلنا، فكذلك تضبيط الداخل سيتجلى في تصرفاتنا. لا تخفي عاداتك التي لا تروق لك أو تتظاهر بعكسها، استبدلها و ستتلاشى ببساطة.

لو شعرت بأن بعضاً من المرارات القديمة ما زالت تعيقك؛ لا تستعجل تحررك منها، يمكنك تركها للوقت الذي سوف تصبح فيه أقوى على مواجهتها بعد أن تكون قد ابتعدت عن تأثيراتها عليك بما يكفي لأن تراها بوضوح و بتجرد أكبر. صدق بأنك ستنظر يوماً لكل معاناة و ترى فيها الدرس الذي جلبته لمستقبلك، و سترى المُعلِّم في كل مسيئ تعرَّض لك بالأذى. فبالنهاية، هي ليست إلا أدوار، و كل منا سبب لتدابير أعلى لا يمكننا الإحاطة بها. و لسنا الذين نعطي و إن كنا مسخرين لتوصيل العطايا لمستحقيها؛ استلم الرسالة و كن ممتناً للرسول. هكذا نتعلم كيف نحب، كل تجاربك الماضية هي مجرد تدريبات قاسية على الحب.

الحب في جوهره مثل نهر جارٍ، جريانه لا يتوقف على وجود أحد معه أو بقربه، و هو لا يغير مجراه ليلحق بأحد، و لا يبحث كذلك عمن يمكن أن يُسقِط عليه محبته. الحب كينونة و ليس فعل، النهر يقدم من نفسه لمن ينحني عليه ليغرف منه، و لا ينشغل بالتفكير بمدى استحقاقه، عطاءه ليس واجب، ببساطة هذه طبيعته و هكذا هو يكون. و عطاياك ستتجه لمن تعرف و لمن لا تعرف لأن الحب فيض داخلي تستقيه من حبك لمصدره، استشعارك الدائم لحب الخالق يظهر في حبك لمخلوقاته، بما فيهم نفسك، و هذا هو معنى أن تكون أنت الحب.

على سبيل الحب

التشتت VS التركيز

شريحة1

 

اعرف شيء “عن” كل شيء، و اعرف كل شيء في شيء واحد.

استعجالك القفز على المراحل التي تعتقد بأنك متقدم عنها هو ما يتسبب بشعورك بالتشتت، ربما تكون تعرف الكثير بالفعل و لكن المعرفة ليست الغاية، هي مجرد مرحلة ستوصلك مع الانضباط إلى المنهجية التي سيتضح لك معها إلى أين تود الاتجاه و هكذا سيتلاشى التشتت.

قد يضجرك بالبداية اضطرارك لأن تُبطئ من إيقاعك و لكن المفاجآت ستكون تنتظرك بالنهاية و ستتسارع عندها القفزات الكبرى. بدايتك في طريق تحقيق الذات هي أقرب لعملك وفق لائحة مراجعة (checklist) تخدمك بتفحص متانة تأسيسك للتحقق من جاهزيتك للارتقاء للمستوى التالي على خط تطورك الشخصي.

مع تقدمك ستكون قد تبلورت قدرتك على تخطيط منهجك الخاص، أنت هنا إذا كنت قد انتهيت من تأسيس نظام حياة مبني على تطبيق كل معرفتك و صار مسار حياتك أوضح لك؛ اكتشفت أين أنت الآن و قررت أين تود أن تكون، أنت تتحضر للخروج من دائرة التغيير باتجاه دائرة التأثير.

مهما كان ما تعلمته و عملته حتى الآن، لو كنت ما زلت في دائرة المعاناة فارجع و قم بإعادة كل العملية من الأول. الإنسان المؤثر ليس هو الشخص العالق في “مشاكل” الحياة الاعتيادية و لا يمكن أن تعطله العقبات التي يقف عندها الشخص العادي، اعرف مرحلتك و تعامل معها.

فلتر متابعاتك و قم بتطوير أدواتك، و لتختار بعناية من بين المرشدين، فتش عن الأصالة، تجنب مجموعات الاقتباس و النسخ و التجميع، ستتعلم أكثر حين يكون معلمك هو مصمم المنهج الذي يقدمه و مُعِد المواد التي يستخدمها و متحدث بلغته الخاصة التي جعلته مميزاً عن النسخ المقلدة منه.

أحط نفسك بمن تلتقي خطوطهم مع خط سيرك؛ الذين يضيفون لك و تضيف لهم. و لتأخذ عليك أن تعطي، و أن تصدقني حين أخبرك بأنك حتماً تمتلك ما يمكنك أن تعطي منه حتى لو كنت لا تدري، تعرَّف جيداً على ملكاتك و اكتشف ميزاتك و باركها بتسخيرها في الخدمة العامة بمحيطك.

استثمر في نفسك بسخاء، يمكنك توظيف كل ما تكتسبه من معرفة في إنتاج أي عمل موجه لإفادة الآخرين بما عندك، احرص على أن يكون لاجتهادك ثمار ملموسة. حدد مجالك و احذر من أن تتحول مسألة “توسيع الخيارات” إلى ذريعة تبرر هوسك بتكديس كل ما يصل إليك من مواد.

اتبع إيقاعك الخاص؛ لا يوجد نظام أفضل من الثاني، ما هو لك يختلف عما هو لغيرك. ثق بحدسك و سلم نفسك لنفسك، مع كل خطوة ستعرف التالي لوحدك دون أن تخلق من حولك تشويشاً بطلب النصح من الآخرين أو محاكاة تجاربهم أو تقليد طرقهم دون التأكد من أنها حقاً تناسبك.

 

 

 

ما يفعله المحبَطون بالمحبَطين

شريحة1

عندما تشعر بالإحباط تكون إحباطات الآخرين (لو أنت سمحْت لها بالتسرب إلى مساحة إحباطك الخاص) أشد خطراً عليك من إحباطك الشخصي؛ أما حين يكون من المتعذر اختراق حصانتك المنيعة ضد أي إحباط يصير الاقتراب منك أنت خطراً على المحبَطين أنفسهم.

إن كنت مبتهجاً بطبيعتك؛ فإن حماستك ستستفز غضب العالقين في دوائر معاناتهم، مجرد مشاهدتك و أنت تقضي أياماً ممتعة على هذه الأرض ستثير مخزون استياءاتهم تجاه كل تلك الأشياء القديمة المتكدسة في أعماقهم؛ فتَرَفَق بهم و بنفسك و خفف من ظهورك في حيزهم.

أما إن كنت أنت ذلك المحبَط الغاضب فقم بعزل ذلك الاحتقان عن كل ما يمكن أن يكون مصدراً محتملاً لتغذيته، و حاصره و هو فيك حتى تتجنب تلويث مجالات المحيطين بك بالصديد الذي سيتفجر منه حين يطفح و تقوم بفضه من أجل تفريغه.

 

الغضب المتصاعد بداخل النفس، كانت له وظيفة في وقته، و لكن بعد أن تمت مراكمته، تحول إلى بثرة كبيرة فاسدة، مع إهماله سيبقى يتضخم و يستمر بالانتشار حتى يشوه حقيقتك. الغضب المكبوت هو ما يدمر عالمنا و ليس الغضب المُعبَر عنه في حينه؛ اكتشف طريقتك المثلى بالتعبير و مارسها، سوف تلاحظ أنك عرفت ما هي مهارتك، سيتلاشى الغضب مع الوقت، و سيتبقى إبداعك.

القطيع الصغير

shutterstock_214216972

معظمنا يعرف كيف تتحول نهايات الأعوام إلى وِرَش مراجعة لكشوفات السنة من أجل إغلاق الحسابات المكتملة و ترحيل الخطط المؤجلة و إعدام المهام المعلقة. هذه العملية تجري عادة ما بين بداية الشهر الأخير من السنة المنتهية إلى آخر أيام الشهر الأول من السنة الجديدة. إلا أن الأعوام لا تستعجلك للحاق بها؛ العام الجديد لا يكترث لحرصنا على مزامنة بداياتنا مع بدايته و بالمقابل لا ضرورة للتزمت الذي يبديه البعض في هذا الشأن.

لدي في صندوق الرسائل رسالة وصلتني بعد نصف ساعة من دخول العام تسأل صاحبتها بفزع حول ما العمل و قد تجاوز الوقت منتصف الليل و هي ما زالت غير قادرة على صياغة “نوايا” أو حتى كتابة “نية” واحدة! و الصراحة رغم أنني استلمت نداءات استغاثتها في وقتها إلا أنني تركت الرد عليها إلى المساء؛ فلم تكن نبرة التفجع تلك صالحة لاعتمادها ك”بداية” سيعتمد كل التالي عليها.

يمكنك تحديد مواعيد بداياتك الخاصة دون حاجة لمزاحمة كل العالم بمحاولة اللحاق ببوابة وهمية لا مواعيد محددة لفتحها أو إغلاقها، إن كان الزمن وهماً فلا يوجد أسهل من أن تختار لنفسك نوع الوهم الذي يناسبك، و إن شئت يمكنك أن تبقى كذلك طافياً في فضاءك الخاص بلا أي حسابات من أي نوع. أما كل ذلك التدافع بنية الاستفادة من كثافة طاقة الجموع فسوف يعمل؛ و لكن في أي الاتجاهات سيعمل (مع كل مشاعر الاحتياج و اللهفة و الإحساس بالطوارئ التي تحرك تلك المجموعات)؟!

كثير من أولئك الذين أرادوا التحرر من برمجة “القطيع” انتهى بهم الأمر إلى الاحتشاد في قطعان صغيرة متفرقة؛ و تَبَيَن أن الغالبية لم تكن مشكلتهم في التبعية تحديداً و لكن كل المسألة أن أحدهم سيكون أكثر ارتياحاً حين يتاح له اختيار القطيع الذي يلاحقه، و أكثر حبوراً حين يمتلك قطيعه الخاص؛ حيث يعيد استثمار ادعاءاته الداعية إلى “التحرر من برمجة القطيع“.

جسمي يتعافى و كذلك روحي

IMG_٢٠١٤٠٨٠٨_٠٢٠٧١٦

التساؤلات التي يتم طرحها عليك حول توجهاتك الذهنية و فلسفاتك الحياتية و مناهجك المعيشية، غالباً دافعها يكون إما فضول الجهل أو الاهتمام بالمعرفة، تعرف أنها من النوع الأول دون حاجة للتدقيق إن كانت المعلومة المطلوبة لا يمكن أن تفيد السائل بأي وسيلة و لا بأي شكل، و العكس بالنسبة للنوع الثاني. و بعض الأسئلة تأتي بمزيج الفضول للمعرفة، و بحسب الظاهر في هذا السؤال، يمكنني اقتطاع ثلثه الأول و اعتباره قابل للإجابة، و التخلص من الثلثين الآخرَين.

حسناً، في السنة الماضية حصلت على الأسئلة نفسها و بقيت أُنوع الإجابات بتقدير ما يود كل أحد سماعه ليتماشى مع ما هو مستعد لفهمه، لا يمكنني إدخال أي واحد لعمق تجاربي الذاتية، فلو كانت توافق استيعابه لما جاءت الأسئلة على ذلك القدر من السطحية. حرارة الجو، و تقلب المزاج، و الحاجة للتغير، هكذا أمكنني التملص من تشعب تلك الحوارات. بينما الواقع أن تلك فترة تطلبت مني التركيز على التعافي الجسدي و التكيف النفسي مع نية تحويل المحنة إلى رحلة في سبيل الحكمة، فكان أن قررت توفير الوقت الذي تتطلبه العناية بالشعر لإنفاقه فيما كرست له تلك المرحلة، زائد تقليل العبء على جسمي في عملية تشافيه، إذ أن تلك الخصلات الميتة كانت مجرد زوائد تزاحمه بالاستهلاك من حصته من المواد التي يعجز عن استخلاصها من الأغذية المُتنَاولة بصورة طبيعية و التي تم استبدالها بمجموعة من العقاقير المركبة، أضافة إلى ترشيد القدر الضئيل المتبقي من الطاقة لدي و استثماره في تأدية نشاطات المعيشة اليومية الأكثر إلحاحاً بالاستمرار بالاعتماد على نفسي بدون تلقي أي مساعدة. فحين تكون أول الأشياء في قائمة أولوياتك هي أن تتمكن من التحرك و مواصلة التنفس و القدرة على ابتلاع الطعام و قضاء أهم المهم من احتياجاتك الإنسانية و كذلك إضافة الحد الأدنى من الرتوش التي تُبقيك بمظهر صحي يجعل الآخرين يصدقون أنك بخير، لا يبقى أي أهمية (بعد كل التفاصيل الأضخم التي اختفت من وجودك) لمسألة إن كان لديك شعر فوق رأسك أم لا.

ربما الآن تحول هذا لطقسي الذي يرافق مراحل التخلي الكبرى في حياتي، جربت تجاهل انزعاجي منه لفترة، و لكن بقاؤه بدا عاملاً مُشتِتاً لتركيزي خصوصاً بعد أن لاحظت عودتي لهوس التقطيع الذي كنت قد انقطعت عنه لبضعة سنوات حتى نسيت أنه رافقني قبلها لعددٍ (ضعفها) من السنوات. و في اليوم الماضي قبل أن أُباشِر المهمة، وقعت على مقالٍ عنوانه “Why Spiritual Seekers Shave Their Heads” و استوقفني زعمه بأن الشعر عند الرجل هو جزء من هويته (مَن يكون) بينما عند المرأة هو “fashion accessory” لا يعبر عن هويتها و لكنه انعكاس لحالتها العاطفية و لذا فإن حلاقته بلا معنى و مجرد مضيعة للوقت، و لكنه يقول بأنه في تلك الحالة (بالنسبة للجنسين) يعزز من هويتها “as a spiritual seeker” و هو يُعبِّر عنها كأمر سلبي و لكنني وجدته تفسيراً يتماشى معي و يعكس حالتي الداخلية حقاً.

stay

هكذاً أكون (إحساناً للظن بمدى جدية السؤال) قد أجبته بأخف صيغة ممكنة، و لن أرحب بأي نوعٍ من الأسئلة حول معلومات لا تعني فعلياً مرحلة الإنسان الذي يطرحها و لا ينوي أن يكون له شأن معها، فأنا أُقدَِر وقتي و وقت غيري و في مثل هذه الحالة يكون التبديد لوقت الطرفين، و معظم الأشياء بالنهاية لا تستلزم إلا تكريس ما يعادل حجم اهتمام المرء بها و حاجته لمعرفتها (من الوقت و الجهد) بالبحث فيها.