محاكاة الحياة.. الربع الأول

إننا نكتب بالأساس إيماناً بآخرين لا نعرف عنهم شيئاً.

1st quarter

فاطمة و فاطمة.. ببعض الأيام كنتما السبب الذي يُنهضني من فراشي لأكتب من أجلكما ✍🏻

في بلدة غارقة في حقول الأرز، شاهدت الرجال ينتهون من أشغالهم باكراً ثم ينفقون نهاراتهم في استلقاء وادع على دكك مصفوفة أمام عتبات بيوتهم الصغيرة، حيث تنتظم أعمالهم على إيقاع مواسمها. و إذ كل مهمة تتم في موعدها، ثم تُترك لتستغرق وقتها، فإن بقية العمل لا يكون سوى “انتظار”. لقد فكرت كثيراً في ذلك الحين؛ كيف لا شيء يحفزهم على استغلال الفائض من أيامهم بالسعي نحو المزيد.. بإنجاز المزيد، بفعل ما هو أكثر من مجرد ترقبهم لمحتوم؟ و قلت لو كنت أنا “الأرض” لتبرمت تحت ثقل ما حُمِّلت، و بنفضة واحدة سأرمي الجميع من فوقي. إلا أني و كلما تأملت سكون ملامحهم الشاردة في ما حولها، و أبصارهم الممتدة على وسع السماء، عرفت أن أولئك ناس قد غادرت أرواحهم دنيا المادة لتُحلِّق في ملكوت “الخلق” الذي ساهموا فيه تواً. واليوم أنا كذلك أقوم بفعل أشيائي الصغيرة ثم أشعر بالاكتفاء، و أخاف حين أفكر بأكثر من اللحظة الحالية، و قد خفت من اليوم التسعين لأنني توقفت عنده؛ و هذا التوقف يجعلني أفقد رغبتي بالاستمرار. لا أدري لماذا أستمر بحساب المسافات التي قطعتها ما دام ذلك يجعلني أفزع حيال المسافة المتبقية؟! أشعر بالحزن فقط حينما لا أكتب، الأيام الخالية من الكلمات لا تعني لي الكثير، إذ أنه نشاطي البشري الوحيد الذي يبقيني على تواصل مع دنيا الناس؛ حتى و هو مشهد منفرد، إلا أنه إشارة كافية لتعلن عبوري من هنا. غير أني أخشى أن أفرغ مما يمكن أن يقال؛ ثم أظل أكرر نفسي حد الملل.

Do you think you can handle this for 10 more seconds? I learned a long time ago that a person can stand just about anything for 10 seconds, then you just start on a new 10 seconds. All you have to do is take it 10 seconds at a time.

 

و عندما لا أكتب يمتلئ قلبي بالرماد، و كذلك حين لا أكتب فإني لا أفعل شيئاً آخر فكل الأشياء تبدو أقل قيمة. أفقد كل يوم ما أكتبه، و كل يوم فيه فعل الكتابة هو ملهم و منتج و ثمين. اعتقدت دوماً بأن أرواح الناس ليست ثابتة فيهم، و أنه يمكن للروح أن تغادر المرء و هو على قيد الحياة، و ربما يحصل ذلك لأحدنا عدة مرات على امتداد العمر. و قد تحس بغياب روح أحدهم و تلمس فيه الموت و هو حي.. الشخص ذاته لا يتبدل، يستمر بحمل وعيه و ذاكرته و جسده، كل ما هو مرتبط بوجوده المادي يبقى، حتى هو نفسه لا يشعر بزوال روحه منه. بمعظم الوقت الذي أقضيه بين الناس أكون أراقب خلوهم من الأرواح، أرى كيف أنهم مجرد أنفس تعبر عن وجودها و أفكر كيف ذهبت روح أحدهم عنه و أحاول أن أتذكر متى اختفى؛ لا يمكنني معرفة ذلك حيث تحتاج أن تعيش مع شخص ما كي تلاحظ تحولاته. و أنا عندما أتوقف عن فعل ما أحب، تبدأ تنازعني روحي ليس من أجل أن تغادرني، بل لكي لا أدعها ترحل. تجلب لي التعاسة حتى لا أسمح لها بالذهاب، تفر مني و تختبيء. لو خرجت مني فستذهب لغيري، تثير خوفي إلى أن أعيدها إلي.

سنة أولى موت.. الربع الأول

  • تسعون يوماً مرت.. فهل صارت “عادة”؟
  • كلا ليس بَعد!

large_autumn_sonata_blu-ray_X01

و كذلك ليس بعد الموت إلا “انبعاث”. ✍🏻

و حين أفكر بعدد الأيام المتبقية من هذه السنة تَثقل أنفاسي إذ أتساءل كم سوف أصمد قبل أن أستسلم و أنسحب على عادتي. أما حين ألتفت لأنظر إلى المسافة التي قطعتها حتى الآن.. حسناً؛ لأصارح نفسي فأنا لا أشعر بأي انفعال نحوها! لا تزال ومضة الخوف من القادم هي الغالبة على مشاعري.

إنه مقطع واحد يومي، كتابة من أجل الكتابة، تدرب على الالتزام و انضباط في سبيل اكتساب لياقة أعلى بينما أترك إشارات على خط “إلهاماتي” حتى أتمكن من الرجوع إليها في أي وقت، مثلما جملة العام الماضي هي مقطع اليوم، فإن أربعة أسطر قد تتطور إلى مقالة، أقاصيص هذه السنة تلخص فصول رواية ستُكتب يوماً ما، و تلك الرواية ربما تتحول إلى مشروع فيلم…  بتلك العملية أُعيد تنشيط أدواتي (الإبداعية كما أظن) التي هزلت بفعل الركون إلى أنواع من الانشغالات بشؤون الناس لم تفض بي إلا إلى مزيد من التبلد.

الموت قد يرمز لشيء مختلف عند كل شخص، و بالنسبة لي هو أشد الأفعال حميمية إذ لا يمكن أن يتشاركه اثنان؛ فموتك لك وحدك. هناك حيث يتكثف الزمن في كتلة واحدة لا تحتوي سواك في تجربة ذاتية ليس فيها (معك) أي “آخر”. و أنت منغمس في الموت تماماً حد العجز عن أن تفعل شيئاً من أجل أي أحد غيرك حتى لو رغبت، فلا شأن يعنيك و أنت ميت سوى ما أنت فيه. الموت يعني أنني حتى لو كنت أسمعك و أراك و أشعر بك، فلن أستطيع أن أُبدي أي استجابة من أي نوع، لن أقدم لك بعضاً من نفسي و لن أتفاعل مع حضورك بأي صورة.

أحب عندما يكون لي قراء يقرأون فحسب؛ فأي نص يُكتب من أجل أن يُقرأ لا لكي تتم مناقشته (على الأقل ليس مع كاتبه). فأنت تعبر عن ذاتك و وجودك الخاص و هذه العملية كالموت فردية و غير قابلة للتشارك. النشر طريقتي لألزم نفسي و ليس لأجعل من مشروعي الشخصي شأناً عاماً. ففي بعض الأيام ستقرأ سخفاً و أحياناً قد تجد شيئاً من العمق و بكل الأحوال أولويتي هي “فعل” الكتابة نفسه. المحتوى هو آخر ما يهمني في سياق التعبير عن الذات. لتكتب ذاتك تحتاج أن تتحرر من أي ارتباط.. و مهما كانت دوافعك لتكتب فمغريات ألا تكتب تظل أقوى.

“الكتابة إرث منا إلينا…”

و عندما نكتب، نتحدث إلى أنفسنا، و نعثر على أجزاء منا لم تكن ظاهرة لنا و هي بداخلنا، عندما نحكي للآخرين لا يفهمونا و لا يجعلوننا نرى زوايانا المدفونة فينا. الكتابة إرث منا إلينا، الكلام هدر في الوقت و الطاقة.