New Start.. Again

cute-cartoon-south-korea_00153988

تخصصي الجامعي تربوي، و قد اتجهت عند التخرج لتأدية دوري الوظيفي كمعلمة لغة انجليزية، و كان أول ما شعرت به هو كم أن النظام التعليمي محدود؛ المقرر يقيد انطلاقتي، الحصة لها وقت لا يحتمل محاولات الإبداع التي حين كنت ألجأ لها فإن الحوادث تقع! يدركني الجرس قبل الانتهاء من الدرس، أفقد السيطرة على الطالبات اللواتي يبالغن بإظهار سرورهن بالوسائل المسلية في تقديم الدروس، ثم تنبهني مديرة المدرسة إلى أنها لا تريد أن تسمع إلا صوتي و هو يشرح القواعد دون الخروج عن النص، و تنفذ عقوباتها على الصف بتهمة التسبب بالضجيج… ما الذي حصل؟! عشقي للتعليم هو جزء من عشقي للتعلم، هو من أول أحلام طفولتي، الشيء الذي أردت فعله حين أكبر. و لكنني فكرت حينها بأنني قد أكون أخطأت و بأن التعليم ربما ليس العمل الذي سأبرع به، و المدارس بجمود سياساتها التي تقتل التميز ليست مكاني. في ذلك الحين كانت مزاجيتي تتغلب على حكمتي؛ زهدت فيما بقيت أُعد نفسي له طوال سنواتي المدرسية، فتخليت عن مهنة التدريس لأنها بدت لي باهتة جداً حين اقتربت منها لذلك الحد، ما همني الضمان المالي و لا المكانة الاجتماعية.

بعد ذلك عملت في مجال خدمات مالية لم يكن لدي فيه أي خبرة و لكنني بدأت فيه بحماسة عالية، و خلال سنوات عملي السبع تعلمت كل ما لزمني تعلمه، و اكتسبت قدراً جيداً من المهارات بالممارسة ما كان ليُتاح لي تعلمها لو كنت اخترت ملازمة الدور الذي كان متوقعاً مني بالتماشي مع مؤهلي الأكاديمي. و أثناء سنوات “الوظيفة” ظهر التدريب كجزء أساسي من مهام عملي و جعلني أتنبه إلى أن دور “المعلم” ليس مخصصاً للتدريس في المدارس و لكنه أقرب لصفة تأتي من اجتماع حزمة من الخصال الخاصة في شخصيتك، تنقصها حزمة أخرى من المهارات لتصقلها، و تلك المهارات هي تماماً ما اتفق حصولي عليه في مسيرة مهنية قصيرة تعاملت معها منذ البدء على أنها “مرحلة” تعلُّم إضافية وافَقَت حاجتي لمعرفة كل ما لم يتم تعليمنا إياه في المدارس و الجامعات، و كانت فرصة حقيقية للتعلم بالتجربة و الخطأ و ليس بمجرد التلقين و المحاكاة.

و اليوم أتساءل: ماذا لو كنت قد ركنت إلى ما كنت فيه و جبنت عن مغادرة الخط الآمن الذي توفر لي في ذلك الوقت إلى ما هو غامض تماماً بالنسبة لي؟ أقول ربما كنت لأنمو على الدرجة نفسها و لكن بطرق مختلفة، أو ربما كنت تحجرت على ضيق أفقي الذي كان و ما تقدمت بعده خطوة واحدة، و لكن الذي أراه اليوم بوضوح من مكاني هذا، أنني لو لم أتجرأ على التغيير (و إن بدا مجهول العواقب) لما تغيرت، صحيح أنني سلكت الطريق الأطول و لكنه كان الوحيد الذي عثرت عليه. عرفت الآن أنه كان أجدر بي أن أبدأ بتغيير نفسي قبل كل شيء، فلا يوجد أي خطب في المقررات و الحصص و لا الطالبات و لا المديرة؛ هي فقط نفس الإنسان حين تضيق فإنه يضيق بكل ما هو حوله. التغيير الحقيقي يبدأ من الذات و استهداف الخارج حتماً سوف يغيرنا بالنتيجة، و لكنه يعقد العملية و يستغرق وقتاً أطول. فقط لو كان قد أخبرني أحد في ذلك الوقت بأني حين أتغير ستتغير كل التفاصيل في عيني! إلا أن أفضل ما حصل لي هو أني تبعت صوت حدسي حين شعرت بأن ثمة ضرورة للتغيير، غيرت العمل و المكان و الناس فتغيَرَت نفسي ثم اكتشفت كيف أني بدأت رحلة التغيير من غير مكانها؛ لا بأس، فبالنهاية قد وصلت.

منذ سنتين، قمت بمغادرة عملي النهاري الذي انتظمت فيه لسبع سنوات (هل هي عشرون ألف ساعة من عمري؟ أكثر أو أقل؟ من يدري!)، و ثلاثة ترفيعات انتهت على مسمى وافق تطلعاتي و لبيت متطلباته و كنت موعودة بالمزيد، استمتعت بكل امتيازات الحياة العملية، و أحببت الرعاية التي أحاطني الزملاء بها، و التقدير الذي خصتني الإدارة به، دخل ممتاز و بيئة عمل مريحة، هامش سلطة واسع و أنظمة مرنة، كنت أفعل كل الأشياء الأخرى التي أريد بلا أية قيود، أنشطة إضافية تتخلل ساعات العمل، و هناك عملي الصحفي في الأمسيات… بدأت أستثقل التفاصيل الآلية و أشعر بعبثية بعض المتطلبات الإدارية، و كل إشادة بتقدم أدائي اعتبرتها إشارة تطلب مني الرحيل، إذ أن كل إضافة ابتدعتها و كل إجراء بادرت به و كل نموذج صممته بدا صارخاً وسط ركام من الأعمال العادية، و في كل مرة نفذت بها مهمة عجز الجميع عن توليها شعرت بأن المكان يضيق علي أكثر فأكثر. ما الذي حصل الآن أيضاً؟! انتهيت من تلك المرحلة؛ استنفَذَت وقتها و كانت مثمرة، لم يعد لدي ما أود إثباته لأحد، حققت إنجازات أشبعت بها اعتدادي بنفسي، أعطيت و أخذت على التساوي. كل ما هنالك أن سنوات العمل هي نوع من التدريب و من الطبيعي أن ينتهي دورها بعد إجادة ما لزم تعلمه منها.

في أيامي الأخيرة في مكتبي الواسع الجميل الذي تغمر الشمس كل زواياه و تتدلى من جوانبه ستائر “نيروزية” متشكلة من نباتاتي التي نمت معي خلال تلك السنين حتى بات من المستحيل إزالتها من الجدران التي غطَّتها بكثافة (كان لا بد من تركها خلفي، و قد فعلْت)، وقفت كل صباح أراقب سكون السماء و ذهب الشمس من نافذتي العالية، أستقيم برأسي فتواجهني أسطح المباني و الأبراج، أخفض رأسي فأشاهد الحركة المجنونة في الشوارع، مركبات تذهب و تجئ دون توقف، مشاة يهرولون، حوادث اصطدام غبية تنم عن غفلة، عمال يتشاجرون مع كفلاء، هكذا كل يوم أرفع بصري لتخبرني الغيوم: “لا تنظر للسحاب حتى تسحب قدميك من الطين المبلل”.. اكتفيت، قلت إذا لم أرحل فسوف أقفز من بين إطار هذه اللوحة التي جمعت عذوبة المنظر في الأعلى مع التنافسية المحمومة التي تجري في الأسفل، و لا أحد يرفع رأسه ليرى، لا ما فوقهم و لا حتى الذين بجوارهم. حسناً، فلأعتبر هذه القفزة رمزاً لتلك. اتخاذ القرار يحتاج وعي و لكن لتنفيذه لا بد أن تكون فاقد الوعي، تشعر بكل المخاوف قبل لحظة القفز من الهاوية و تبقى متشككاً حول وجود المحيط الواسع الذي سيستقبلك في الأسفل ليخفف من وقع الصدمة، ستغوص لوهلة بسبب قوة ارتطامك بالماء، ستظن بأنك غرقت، بمجهود بسيط ستجعل نفسك تطفو، تبتلع أنفاسك بشهقات متتالية، ستعود لوعيك، ثم ستقرر أن تسبح نحو وجهتك، المرفأ القريب الذي كنت قد استهدفته بنظرك قبل أن تقفز، الشاطئ الذي ستستأنف رحلتك بالإبحار منه.

و الآن هذا الطور من رحلتي قد اكتمل و كذلك رؤيتي قد توسعت، و طابع المرحلة القادمة مستمد من استهدافي دمج تجربتي الحالية مع كل مُحصِّلات المراحل السابقة في نظام متوازن. الشغف المعرفي الذي انتقل معي من فترات عمري الأولى، المهارات العملية التي اكتسبتها في المراحل التي تلتها، و الرؤية الروحية التي كرست لها السنوات الأخيرة، بلا توقعات و لا تطلعات، أدري بأنني على وشك ولوج دورة من التحولات الهائلة، و كل تلك المراحل لم تكن إلا جزءاً من الاستعداد لهذه التحولات.

و لو أمكنني أن أختصر كل مراحل تطوري الذاتي في ثلاثة نصوص رافقتني مثل نقشٍ محفور في وعيي منذ طفولتي، كتبتها في كل مكان سُمِح فيه بالخربشة على الجدران، و في كل انتقالاتي علقتها في أماكن نومي أينما أقمت. حيث كلٌ منها لامس في أعماقي ما وافق ذلك التوق المبهم الذي كان أكبر من فهمي و أنا في سنواتي الأولى على هذه الأرض، إلا أنها حين اجتمعت لدي من قراءاتي المبكرة شكَّلت ما بدا لي دليلاً استرشدت به دوماً كخط عريض توجب علي أن أرجع للسير عليه كلما أخرجني عنه شرود انتباهي:

  • شعار المتعلِّم الصغير فيَّ الذي يدفعه شعورٌ مُلِّح مستمر بأنه يحتاج معرفة المزيد و لا يمكنه التوقف عن البحث، مُتَّبِعاً توجيهات الحدس دوماً:

ألا لن تنالَ العلمَ إلا بستةٍ

 سأُنبيك عن مجموعِها ببيان

ذكاءٌ و حرصٌ و اصطبارٌ و بُلغة

و إرشادُ أستاذٍ وطولِ زمان

  • شعار العامل المُتَفَانِي فيَّ الذي اختار الكلمات لتكون صنعته، و أداته التي كرَّسها ليُمتِع و يُلهِم و يشافي و يُسعِد و يُعلِّم، مُستنبِطاً من الحكمة سر عزلته:

لقاءُ الناسِ ليسَ يُفيدُ شيئاً

سوى الهذيانِ من قيلٍ و قال

فأقْلِل من لقاءِ الناسِ إلا

لأخذِ العلمِ أو إصلاحِ حال

  • شعار المعلم الصبور فيَّ الذي عمله هو الناس، و مساعدتهم هي شغفه، و خدمتهم هي مهمة حياته، و بِحُبٍ يوقظ إمكانياتهم و يُخرِج أجمل ما فيهم:

“كُن للناسِ في الحلمِ كالأرضِ تحتهمُ، و في السخاءِ كالماءِ الجاري، و في الرحمةِ كالشمسِ و القمرِ؛ فإنهما يطلعان على البَرِّ و الفاجرِ.”

و نعم ما زلت أتغير، ففي التغير نمو و حياة.

 

ذاكرة الجماعة VS النسيان

列印

بما أن عامي الجديد يبدأ في اليوم التالي ليوم مولدي، فقد كانت هديتي لنفسي هذه المرة هي التسجيل ببرنامج Find Your Word 2016 و مدته خمسة أيام للعثور على الكلمة التي سأضعها عنواناً لهذا العام، و قد كنت اعتمدت هذه الطريقة للثلاث أعوام الماضية و وجدتها تعمل معي أكثر من طريقة إعداد قوائم الأهداف، فهو موضوع عام، شيء واحد ستحصل كل الأمور الأخرى تحت مظلته، لم تكن لدي كلمات و لكن عبارات مثل “أفي بوعودي”، و كوني أميل بطبيعتي إلى الاختزالات بكل صورها؛ بتلخيص كل ما يمكن تلخيصه؛ حذف الزوائد و دمج الأجزاء و توحيد الإجراءات و تقليص الجهد و تقليل الهدر (في الحقيقة هذه مجرد طريقة أنيقة لقول: أنا كسولة) فلم يتطلب الكثير لإغرائي باختصار عنوان السنة بأكملها في كلمة واحدة.

كانت السنة المنتهية زاخرة بأكثر مما يمكن بالنسبة لسنة اعتيادية واحدة؛ أي أنها كانت استثنائية حد التخمة، بالرحلات و الشراكات و المهام المُنجزة و الانتقالات الكُبرى، رغم أنني كنت قد أطلقت عليها عنوان “سنة سياحة” تعبيراً عن احتفالي بكونها الأولى التي تأتي من بعد تحرري من الالتزام بأي نوع من العلاقات (لا تعاقدات عمل و لا ارتباطات شخصية) و عودتي إلى نفسي بالكامل. فيها جربت تسليم القيادة للطفل فيَّ بينما يتوقف الراشد عن أي فعل سوى المشاهدة؛ لا تحليل و لا تصحيح و لا تعديل. انتهيت من عمل أي شيء من أجل أي شيء (أو أحد) آخر، كل الأشياء تُفعل لعينها؛ فقط لأنني أريد (أو لا أريد)، هكذا ببساطة. أجوع فآكل و لا آكل لأن “الآن” هو موعد الوجبة، أنعس فأنام و لا أنام “الآن” لكي أستيقظ في موعد محدد، أضجر فألعب “الآن” و ليس لاحقاً حين سأنتهي من هذه المهمة أو تلك؛ لا شيء متوقف على غيره، إما أنه مُتاح فأفعله أو لا أفعله.

في التطبيقات الكتابية التي تضمنها برنامج اختيار كلمتي لهذا العام تم طرح العديد من الأسئلة المتعلقة بالعام الماضي، و هنا برزت صعوبة الأمر بالنسبة لي؛ لم أتمكن من تذكر أي شيء تم طلب الإجابة عليه، فسألت نفسي: هل بلغت هذا الحد من الانغماس في “عيش اللحظة”؟! الحد الذي لا يمكنني معه تذكر كل تفاصيل ما مضى؟ صحيح كنت قد قررت و أصدرت أمراً لذاكرتي بألا تسمح لي باسترجاع أي “تفصيلة” لا طائل من وراءها، و يبدو بأنها (ذاكرتي) ذهبت بعيداً في تنفيذها لهذا الأمر. ثم مهلاً؛ لماذا لا يوجد أحد يمكنه تذكيري بأي شيء؟ لأنه ببساطة لا يوجد أحد كنت قد شاركته شيئاً! و لماذا لا يوجد أحد؟!! لا أحد يدري لأنني لا أدري أو ربما كنت أدري و لكنني الآن نسيت! انتهيت و عثرت على كلمتي بالقفز عن تلك الأجزاء المتعلقة بالعام الماضي، افترضت أنني وصلت حديثاً إلى هذا الخط الزمني و هذه هي سنتي الأولى في نظام الترقيم العجيب هذا.

و الآن ماذا؟! هل سيكون علَيَّ ألاَّ “أتذكر” طالما أنه ليس معي من أتشارك ذاكرتي معهم؟ لا أقصد أن يكون ثمة من أخبره بكل شيء لحظةً بلحظة، بل أعني ذلك النوع من التزامن الذي يجعل خطوط حياة كل منا تسير في الاتجاه ذاته؛ و أكثر من ذلك أن يكون بالقرب ذلك النوع من الأشخاص الذين لا تخلو كل تفاصيل أيامك من حضورهم فيها بمقدار حضورك، إلى الحد الذي سيمكنهم معه الإجابة على تلك الأسئلة كما لو أنهم يعرفون عنك ما لا تعرفه عن نفسك. و مع قناعتي بأن كل من يتواجد في عالمي فهو إما نسخة قديمة مني أو نسخة متقدمة عني؛ و حيث أنه لم يحصل مرة في حياتي أن اقترب مني مخلوق لهذا الحد؛ فإنني على اقتناع تام بأنه لن يكون ذلك إلا مع النسخة الأشد شبهاً بي من بين جميع العابرين الذين تقاطعت دروب مرورهم بدربي قط. و إلى أن تحدث المعجزة المنشودة؛ سأبقى أوثق أبرز ما يمر بي خلال يومي لعلي حين أرجع له لاحقاً “أتذكر” كل ما أحاط به من تفاصيل.

و يبقى هذا التساؤل معلقاً لأنه السؤال و فيه الإجابة:

كيف يمكن العيش في الحاضر عندما لا يكون هناك أحد في هذا الحاضر معي؟! Anaïs Nin*

 

لقد عبرتني الطُرق و لم أعبرها!

و كانت الرحلة طويلة، مشيتها ببطءٍ و لكنني وصلت.

1526501_10202987281551281_1021170715_n

🙂

كم صار عمري اليوم؟! لقد ضيعت العدد (لا أحد يدقق) @_@

happy-kids-drawing-219688

جمعت الأضداد لأكتمل: الطفل في لعبي و العاصفة في غضبي، و كذا علمي و جهلي اللذان تقاربا فامتزجا، و حين أقسو فيأتي من وراء شدتي الخير كله…

2014-01-03-0890

و ما زلت أُقَدِر السعادات الصغيرة، أصنعها لي و لغيري و لا أنتظر حصولها من تلقاء ذاتها…

2014-01-04-0899

عالمي، أنا أصنعه. المهم ألا يتأذى أحدٌ من المارة و لا أُعيق المرور كذلك. أكون نفسي لا كما يُراد لي أن أكون، و بالمقابل أسمح للآخرين بأن يكونوا أنفسهم و أُعفيهم من قيود توقعاتي المسبقة، و ليكُّفٌّوا أذاهم فقط و نكون كلنا بخير.

تقول رائحة عطري: الحب الغير مشروط، تُقَدِمه و تمضي في سبيلك، لا تريد من وراءهِ شيئاً و لا تطلب شئ.. تعطيه بسخاء ثم لا تتوقف و لا تلتفت إلى الخلف بينما تغادر! لا تفتش حتى عمَّن حصل عليه و لا تجعل من وراءك خطَّاً يدله عليك. هذا هو الحب فقط، طاقة جميلة ترسلها في أي اتجاه لترتد إليك من اتجاه آخر.

happy_love_land_wallpaper_8d079

و أقول أحبكم، حتى الذين لا يحبونني 🙂

امتناني.. شئ جميلٌ لا ينتهي

حين بدأنا قبل عشرين يوماً، بل قبل أن نبدأ، قلت لهم بأنني لست واثقة من أن هذه التجربة قد تغير حياتي إلى الأفضل، لأنني كنت أشعر سلفاً بأنني في أحسن حال و لا مشاكل لدي، ربما مجرد صعوبات يومية (اعتيادية) لا يتعبني التعامل معها و لا ترقى للحد الذي يُسمح لها أن تتحول إلى مُعَوقات، كما أعطيت نفسي عشر درجات من عشرة على مقياس “السعادة”، لم أشعر بغير ذلك و لم يعنيني ما يظن الآخرون بأن علي أن أتوقف عنده. ظننت بأنني قد بلغت قمة الإرتياح في حياتي و لم أتخيل بأن هناك المزيد بعد، فوق كل ما لدي، و أكثر؟! و قلت سيكون لطيفاً أن نتشارك تمريناً جماعياً، سيعطينا ذلك دفعة حماس إضافية.

شعرت بِطَاقة جميلة منذ اليوم الأول، حقيقةً لم أتصور وجود هذا المستوى يفوق ما كنت عليه و أحسبه أقصى الرضا، و لكني الآن عثرت على المزيد و بت أكثر ارتياحاً، كيف؟ لا أدري! سعدت كل يوم حين أجد التمرين يدور في كل مرة عن شئ لا ينقصني تقديره بالفعل، تأكدت من أنني بخير و الحمد لله، ربما من هنا شعرت بالتحسن عما قبل، حين تأكد لي أنني على ما يرام. باقي ثمانية أيام على انتهاء “حملة الحمد” مع مجموعتي “الأكاديمية”، و ما زلت أستيقظ بحماسٍ كل صباح لأداء تمرين “اليوم” يخامرني شئ من الزهو لأن كل واحد منها يأتي ليغطي شيئاً من قائمتي التي قمت بتقديمها كتمرينٍ لليوم الأول، أفرح مثل الطفلة في أسبوعها الأول في المدرسة تخبرها المعلمات بأنها “شطورة” و هي لم تنجز شيئاً بعد 🙂

علقت نسخة من قائمتي على “الثلاجة” بالطبع كونها تُعَدُّ من “المواقع الأكثر زيارة” بالنسبة لي، و الأول صباحاً، و تحت وسادتي كونها مستقري الأخير في ختام يومي، مع أنني بحكم العادة حريصة على إطراء كل تلك الأمور و غيرها الكثير من التفاصيل التي ربما لكثرة تكرارها تغدو في معظمها مألوفة لدينا فلا نشعر بقيمتها، إلا أنني اجتهدت بتربية إدراكي لها ليتأملها بامتنان كلما جاء دور أحدها لاستخدامه أو الانتفاع به، و تَصَوُّر كيف كانت لتكون الحياة من دونه، و استحضار حال المحرومين منه و إرسال خاطر يرجو لهم من مثل الخير الذي لدي. ليست هذه عملية تستهلك وقتاً و لا جهداً و لا تركيزاً، ليست سوى جزيئات ثوانٍ و أثرها على النفس، لا أعرف كيف أصفه و لكن يغلبني الوصف لأقول عنه “لذيذ” و لا أفهم لماذا!

امتناني للضوء لأن الإبصار نعمة تجعلني أرى الأشياء الجميلة من حولي، و أتمكن من القراءة و المشاهدة باستمتاع.

امتناني للهواء لأنني جربت كيف يكون الاختناق و هو ليس شيئاً جميلاً و يسعدني أن أتمكن من التنفس و لو بمساعدة الدواء.

امتناني للبقاء على قيد الحياة لأنني في كل يوم أخلد فيه إلى الفراش تكون أقصى أمنياتي ألا تكون تلك آخر مرة لأن شغفي للحياة مازال مشتعلاً.

امتناني للماء الوفير حيث أتمكن من الاغتسال كل يوم و شرب كل حاجتي كلما عطشت و كذلك صنع المشروبات الحارة و الباردة التي تنعش مزاجي.

امتناني للمال الذي أكسبه مقابل اجتهادي بالعمل و يُمَكِنني من سد حاجاتي الأساسية و الترفيهية و كذلك إسعاد الآخرين.

امتناني للوعي الذي أكرمني الله بنوره ليُمَكِنني من تقدير كل النعم التي أملكها و تجاوز متاعب الماضي الذي كان.

امتناني للبيت الذي يؤويني و يشعرني بالحماية و يبعدني عن خطر الانكشاف أمام أنواع الأذى و فيه الناس الذين أحبهم و يحبونني.

امتناني لكل لقمة غذاء أتمكن من مضغها و ابتلاعها و هضمها لتعينني على استقبال أيامي و توديعها بابتسامة.

امتناني لكل حبة دواء توفرت نتاج رزمة من مجهودات البشر المكللة بتوفيق الله تمكنني من ردم الثغرات التي تتخلل سلامتي الصحية.

امتناني للسيارة و الطائرة و الكتب و الأجهزة و كل ما فتح الله على الإنسان بابتكاره لينقلنا إلى الأماكن و ينقل الأماكن لعندنا.

الألم الذي يمكن احتماله و لكن ليس قبوله

534428

في اليوم الذي ذهبت فيه لحضور هذا العرض، كان ينبغي أن أصطدم بهذا الموقف لأتأكد من الأمر الذي شعرت به دوماً و كنت أتظاهر فقط بأنه غير صحيح: أن مجتمعنا ليس فقط مجتمع التصنيفات الجاهزة، بل إنه يعاني كذلك من محدودية تلك التصنيفات و عجزه عن التعامل مع كل ما هو من خارج القوالب التي تم رصها سلفاً في دماغ الواحد من أفراده، و أي شئٍ زائد عنها ستحتاج لأن تحشره في رأسه بالقوة ليتمكن من استيعابه. فالجيل الحالي من أهل أرضنا الطيبة تربى على أن ثمة فئات في المجتمع مصنفة تحت عنوان “مُعاق” و تم ربط هذا العنوان، ليفهمه، بصورة كرسي بعجلات متحركة، و حتى حين بدأت محاولات تعديل برمجة الثقافة السائدة فيما يتعلق بهذا الموضوع، صارت محاولات لتوسيع التصنيف و تغيير عنوانه إلى “احتياجات خاصة” و مع هذا ما زالت الصورة الراسخة في ذهنية الغالبية هي الكرسي المتحرك بعجلات، ربما تسامحاً يُلْحِقون بها الحوامل و المسنين على اعتبار أنها فئات قد يمكننا القول عنها أنها تحتاج عوناً خاصاً يختلف عن احتياج الإنسان في حالته السوية. و هذا يفسر كيف يرفض أحدهم طلب تخصيصك بالمساعدة فقط لأنك تعاني قصوراً (في الواقع أنت تجاهد لتجعله لا يظهر إلا طفيفاً) بقدراتك الحركية و مهما حاولت أن ترهق نفسك و تنفق كل تركيزك لتتمكن من الوصول لأقرب مستوى من العيش الطبيعي، سيبقى هناك ما يُعجزك أداؤه من الحركات التي يأتيها الشخص السليم في مثل عمرك دون حتى أن يضع فيها أي تركيز يصرف كل حواسه عما عداها حتى يقدر على تنفيذها.

قلت لرجل الأمن بأنني عاجزة عن ارتقاء الدرج و لو كان هناك بديل السلالم “المنزلق” فلن أواجه مشكلة معه طالما معي من يساعدني أو يكفي وجود درابزين أتوكأ عليه (أو أتسلقه بالأصح)، فوجهني لمدخل “المعاقين”، قالها هكذا، جاءت مثل ضربة على الرأس، فابتلعت رغبتي بأن أتوقف لمناقشته بذلك، ذهبت لذلك المدخل، رجل الأمن الواقف هناك لم ير مقعداً بعجلات فأوقفني “إلى أين؟” فأخبرته بما دار بيني و بين زميله، “لا ممنوع، هذا المدخل للمعاقين فقط”، “و أنا لا أستطيع صعود الدرجات”، نظرة تمسحني من الأسفل للأعلى “لماذا ما بك أنت؟” “ماذا هل يجب أن أحمل معي تقريراً طبياً أو بإمكانك فحصي إن أردت”، حسناً، حالتي هي كذا و كذا. و تسمى كذا و كذا، و من أعراضها كذا و كذا، و ما زالت تلك النظرة الخاوية التي يبدو عليها عدم الفهم. هذا ما أتحدث عنه، سألتني ما بي و قلت لك و أنت لا تعرف عنه، لا يهم مع أنه من المُهين لي أن أقف لأناقش معك وضعي الصحي، و الآن أنا مغادرة. “كلا ما قلت غادري و لكن ما الذي يثبت؟” ما الذي يثبت ماذا؟ أنا لا أدَّعي شيئاً فأنا أسير طالما يمكنني المشي و لو من الذاكرة، أنا لست “مُقعدة” و لا أحتاج أن أورط أحداً بمرافقتي من أجل تحريكي، كل ما هنالك أن هذا دَرَج، و لن أرفض لو تفضلت بإدخالي من خلاله و لكن عليك أن تجد طريقة لفعل ذلك. ثم، سؤال المسئول، سؤال الإدارة، و “تفضلي، أعتذر و لكن هذا هو النظام”! أي نظام يا عمي، لا أحد يحترم النظام مثلي و لكن لا تكلمني بتلك الطريقة المهينة، ضعوا في لوحات إعلاناتكم “نستقبل الشخص السليم و المقعد فقط، و نعتذر عن الاعتراف بغيرهما.”

نظرات مثل هذه ليست جديدة علي، اعتدتها، تلك التي تشبه اتهاماً لك بأنك فقط “مختلف”، مختلف عن هؤلاء و مختلف عن هؤلاء، أنت وقح لأنك تحيرنا و نحن لا نعرف ما بك، و لكن ليس أوقح من ذلك “الجين” النادر الذي جعلني واحداً من ضمن أربعين ألف مصاب في بلدي وحدها، ليس أوقح من أن يترك ٥٩٩٩ شخصاً في كل العالم ليجعلني المصاب المتمم لرقم الستة آلاف، ثم يترك ٤٩٩ شخصاً في السعودية وحدها ليجعلني المصاب المتمم للرقم ٥٠٠، الحقيقة أنني شخصياً لا أفهم كيف نسميه نادراً و نحن بهذا العدد، و كيف لا يتم الاعتراف بنا على كثرتنا، ربما علينا أن نجتمع يوماً بمكان واحد و نرفع صوتنا حتى ينتبه لنا مجتمع لا يعير انتباهاً إلا للجلبة، أو قد يكتفي رجل الأمن ذاك بتلبية دعوتي له لاستقبال عائلي ليرى بنفسه كم من الممكن أن يتواجد منا في بيت واحد، ربما قد تكفي زيارة واحدة لمشفى المخ و الأعصاب للتعرف على فئة هي ليست سليمة، و ليست مُقعدة، و لا “معاقة” لذلك الحد، للموافقة على إلحاقها بالاحتياجات (أو القدرات) “الخاصة” التي تم إلحاق حتى المتفوقين ذهنياً بها تحت عنوان “الموهوبين” و نحن لا نطالب بدعم و لا “تأهيل” و كل احتياجنا شئ من التساهل في مواضعه، أما في غيره فلسنا أقل من أحد، بل على الأغلب أكثر لو وضعنا في الاعتبار كم الجهد الذي تبذله واحدة مثلي فقط لتتفوق بما تنجز على أقل الأصحاء اكتراثاً بكيف ينفقون أيامهم، كلا لا أحد يفهم غضبك حين تشعر بالإهانة من فعلٍ لا يمكن لمن تختلف عنهم رؤيته مُهيناً، لا يمكنهم أبداً، فقط الذي يجرب بنفسه سيعرف، و أنا حين التقت عيني بعين شريكتي في قاعة التأهيل الحركي اليوم، رأيت هذا الغضب، لم يظهر فقط في عنادها و امتناعها عن التجاوب مع المُعَالِجَة، و لكنه تفجر في نظراتها و لم يره غيري، لأنهم لا يعرفونه، أنا أعرفه.

ليس ثمة ما يُحكى

بعد الغرق في الصمت التام لأيام طويلة، لا يعود الإنسان مشوَشاً بضجيج العالم، و على الأرجح يُعيد شحن صفاء ذهنه، لا يكون ذلك ممكناً إلا بالتخلص من كل تلك الأجهزة التي يتسرب من خلالها التلوث “التفاعلي” و إلا ستتم مقاطعتك في كل لحظة و مهما كان حجم انضباطك الذاتي، فسوف يُحرِك الفضول يدك من وقت لوقت لتمتد نحو ما سيجرف قسماً من وقتك، و في كل مرة تنتبه إلى أنك تهدر نفسك في لا شئ و تقرر “كلا” لن أسمح لتلك الهشاشات أن تستهلك من وجودي، علي أن أركز على جوهر الأمور.

خمولٌ تام، تعب من لا شئ، إنهاك من أقل حركة، شعور دائم بالنعاس، كرست وقتاً لمحاولة معرفة أسبابه، جلست، بالورقة و القلم، و أجريت لنفسي بعض الاختبارات الشخصية، سألت نفسي و أجبت على كل الأسئلة، بالعادة أفعلها مع الآخرين و قلت سأجربها، فأنا مأخوذة دائماً بوهمِ أنني أعرف نفسي جيداً و أعرف دائماً ما يعتريها و اعتدت سلوك الصدق معها، و لكنني أمر بفترة، ليس لا أعلم ما بي، و لكن لأنني تركت الأشياء تتراكم فتداخلت حتى بِت أنفر من فكرة المبادرة بالتعامل معها (لم أضع قوائماً منذ مدة بعد أن كنت معروفة بقصاصات الto-do ترافقني في كل مكان)، فوق أن قدرتي على التركيز منخفضة بشكل كبير بسبب مصاعبي مع التنفس (الأكسجين غذاء الدماغ) و الذي يمتد تأثيرها على عجزي عن النوم المتواصل لأكثر من ست ساعات (بشرط أن أكون قد رششت عدة بخات من دوائي عند النوم) قبل أن يوقظني الإختناق.

بنهاية “الجلسة” توصلت إلى أنني قد أكون أمر بمرحلة “ميل أكبر للكآبة” يشترك بتحفيزها أمران: الأول هو مروري الحالي بمنخفض حاد جداً في العمل، و الثاني هو قلقي الشديد (الذي أحاول إنكاره) حول ما أنتظر معرفته مع الطبيب، و في الواقع هذا الأمر بالذات هو ما يجعلني أشعر بأن كل حياتي في حالة “انتظار” و كل شئ آخر موقوف و أؤجل البت فيه لأن مجرد معرفة النتيجة سيترتب عليها تغيير أشياء أو الإبقاء على أشياء، لا أعلم لا شئ واضح لدي الآن، كان من المفترض أن نعرف منذ اثني عشر يوماً، و لكن بعد أن ذهبت و انتظرت لساعات حتى تمكن من مقابلتي، و بعد بضعة اتصالات متشنجة من الطبيب مع “FedEx” أو “DHL” لا أذكر، أخبرني بأن النتائج التي كان من المحدد تسليمها اليوم لم تصل بعد، و هكذا ما زلت أنتظر، و كل شئ ينتظر معي، و كل أيامي انتظار… ثم بعد أن انتهيت لتلك النتيجة و قررت كيف ينبغي أن أصمد و أحاول في الأثناء إيجاد حل لتوتري، نهضت لأعد لنفسي مكافأة كوباً من الشاي، و بينما أنا واقفة في الزاوية التي كنت قد اعتدت فيها أخذ أقراصي الصباحية، تذكرت كيف أن آخر وصفة لمكملاتي انتهت منذ أكثر من شهر، كيف كل هذا الوقت لا “فيتامينات” و لا “معادن”، هذا هو الأمر إذن؟! و نسيت أن أُذَكِر الطبيب لأنني كنت أهيأ نفسي لسماع نبأ عظيم، كيفما كان، و هنا حاولت ربط هذه المدة دون عقاقير مع متى بدأ أرقي الحقير هذا مع كل جماعته (الخمول و التعب و الإنهاك) زيادة على تضور جسمي من الجوع لكل ما يحتاجه، و علي الآن أن “أنتظر” حتى تنتهي عطلة العيد لأفعل شيئاً بهذا الشأن (فقط).

و هذه لي:

star-great-job

واحدٌ من أيامي المصلوبة!


لم أتمكن اليوم من النهوض، فاليوم ليس واحداً من أيامي الأفضل، بلى تمكنت من التحرك الآن بعد أن بقيت أنتظر لخمس ساعات حتى أستعيد شيئاً من مرونتي، الأمر الوحيد الذي يزعجني و يشعرني بالذنب هو عجزي عن الذهاب للعمل، نظرياً كنت أستطيع إرغام نفسي، و لكنني سأُعَرِض نفسي لخطر الوقوع و سيكون علي أن أتنقل بحذرٍ شديد، و الحقيقة أنني ما زلت أقاوم أمر الظهور بعكازتي (طالما لدي عكازة بشرية) و أراها خطوة مبكرة جداً رغم تشديد أخصائيتي الفيزيائية و تحذيرها لي من عواقب مواصلة استهلاك المتبقي من عضلاتي البالية، و أنا يعاند فِيَّ الكبرياء و روحي المقاتلة تعارض الاستسلام طالما كان ثمة بعض الممكن، و أبقى أحاول التظاهر بين الناس بأنني لا أختلف كثيراً عنهم كما أُضَمِنَ في نظراتي لذوي المقاعد المتحركة اعترافي الصامت لهم بأنني أقرب لهم من البقية.

أجهدت نفسي في الليلة الماضية مع أنني لم أقم بالتحرك بمقدار جزء بسيط مما كنت أفعل قبل سنة (مثلاً) و لا أتعب، و رغم أنني انتبهت لترنحي، و ألمٌ أتعرفُ عليه للمرة الأولى و يبدو أن له علاقة بموقع القطع الجراحي الذي فقدت الشعور بمساحة واسعة محيطة به منذ ذلك الحين، إلا أنني كنت قد قررت ألا أسمح لتعبي بأن يظهر اليوم، و لا غداً، و قلت ينبغي إرجاؤه حتى يومِ عطلة العيد على الأقل، و لكنني حين أردت النهوض صباحاً كنت متصلبة مثل مسطرة خشبية و لو نهضت فسأقضي النهار أسير مثل “روبوت” مُهترئة بعض أسلاكه المُوصلة لأوامر تحريك الأطراف تحديداً، و بدلاً من ذلك اخترت أن أغمض عيني و أتخيل بأنني لوح “شوكولاتة” تم إخراجه من البراد و سيستغرق وقتاً ليستعيد ليونته و يعود قابلاً لأن تتناوله الساعات مُقَطَّعاً على حصص.

هكذا تتركك مسألة كيف تتعرف بدقة على الحد الفاصل ما بين الأكثر من الضروري و الأقل من الممكن في حيرة لا تحصل على إجابة تشفيها حتى من الأخصائيين الذين يتبرعون بتركها لتقديرك الشخصي، و كأن كل ما أنت مضطر للتعامل معه كان داخلاً في حساباتك منذ أن وعيت، يجهلون لأي حدٍ أنت مُنْهَك و كل قواك مُسْتَنْزَفة في عملية التكيف و رأسك مزدحم بالأشياء التي تفوق استيعابه و عليك وحدك معالجتها بوقت قياسي، أن تفهم و تتجاوز مشاعرك و تساؤلاتك، أن تعرف ما سوف تفعل لاحقاً و تختار الأمور التي عليك أن تقصيها من حياتك لتفسح المجال لزائرٍ ضخمٍ نهم اقتحمك فجأة دون ترقب منك و لا استعداد، و ما جاء إلا ليقتات على عمرِك بشراهة دون نية بترك فائض يتفضل به عليك و هو مما كان لك.

قرارات كثيرة تتصل بكل شئ، و كل القرارات متصلة ببعضها، و كلها متصلة بشئ واحد… ثم يأتي الافتراض السخيف بأنه يجب علي أنا أن أعرف كم أتحرك و كم أتوقف و أستدعي تركيزي من كل الأمور الأهم لأضعه كله في محاولة أدري بأنها ستنتهي بفشلي بل بانهزامي فيها، لأن الامتحان صعب جداً و المُقَرِر كان قد أعلن رسوبي مسبقاً. ألا أتحرك (أو أتحرك أقل مما يجب)، أو أن أتحرك أكثر مما يجب؟ كل النتائج واحدة، “إما/ أو” و كل الخيارات خاطئة و ليس هناك حتى أقربها للصحة، فكيف لي أن أعرف حد الجهد الذي يجب (لا أقل و لا أكثر)؟ و أنا اختبرتها كلها و وجدتها تعمل بالطريقة نفسها، إن توقفت عن الحركة ليوم فسأعجز عن الحركة في اليوم التالي، و إن تحركت ليوم، أيضاً سأعجز عن الحركة في اليوم التالي، دون أي فرق!