قلبي الكبير، أضيق من أن يَسَعَنِي!

لا أدري ما إذا كان الجميع يشعر بذلك أم أنا فقط، و لكنني لم أتعب في أي “رمضان” من قبل مثلما هو حاصلٌ معي الآن، أشعر بكل خلية من جسمي تنبض بالإنهاك و أتحرك مثل “روبوت” فقد القدرة على التحكم بأطرافه، هل الجو أقسى هذا العام؟ أم طول ساعات النهار؟ أو هي فقط تلك الساعات التي ننفقها بمكاتبنا دون أدنى إنتاجية نحاول تقطيعها كيفما اتفق؟!!

غِبتُ عن الكتابة ليومين، كان موعد إجراء فحص القلب بالموجات فوق الصوتية، في مثل هذا الوقت من يومِ أمس، كنت بقاعة الانتظار عند الواحدة و النصف، خططت لقضاء النصف ساعة قبل حلول الوقت بالقراءة أو الكتابة، و لكن مثل من وقع بفخ، دخلت و ألقيت السلام مرفقاً بابتسامة صغيرة، فالتهمتني سيدة متعطشة للثرثرة بإطلاق مدفعيتها المُلَّغمة بالأسئلة الشخصية، بدأتها مباشرة عن الجنسية و اسم العائلة و من أين و مكان السكن و الحالة الاجتماعية…الخ ثم عن حالتي العلاجية و تاريخها و مسار التشخيص، و تقاطعني أيضاً لطلب تفاصيل! ربما ما كان يجب أن أكون باشَّة لذلك الحد، فبعض الناس، مع احترامي لكل الناس، مثل القطط، تُرَبِت عليهم مرة فيلتصقون بك، كنت لِأكون أكثر تفهماً لو كانت (بحكم المناسبة) اكتفت بسؤالي عما يجمعنا المكان به، فلو كنت أنا المُبَادِرة بالحديث لما تجرأت بالتطفل على الحدود الخاصة. اختصرت الأمر بأن أعدت أدواتي إلى الحقيبة و تنازلت عن رغبتي الأولى، و تفرغت للتجاوب مع التحقيق على مضض بعد أن طرحت على نفسي احتمال مغادرتي للتخفي بمكان ثاني، و لكنني استحيت من أن أظهر فظة بهذا الشكل.

و قد أثمر تحَّملي حين انتهت قبلي و لكن بعد خروجها بدقائق، و بعد أن كنت انسجمت بالكتاب بين يدي، جاءت أخرى، تجاهلت قدومها و حرصت على ألا أرفع رأسي، لم تُبادر بالحديث و لكنها لم تعتقني من فضولها، و كان عليها أن تنهض من مقعدها الذي جلست عليه فور دخولها بآخر الغرفة يفصله عن مقعدي بأول الغرفة كل بقية المقاعد الفارغة لتقطع كل تلك المسافة و تقف مباشرة فوق رأسي ليس لتختلس النظر لما أقرأ فيه، بل لتبحلق جهراً متجاوزة كل الحدود الشخصية المتعارف عليها اجتماعياً، و لكن استراتيجتي كانت بالسكون و التظاهر بأنني غير منتبهة مع أنها تقف بجواري تماماً دون أي مساحة فاصلة، لأنني عرفت بأن الخدعة تقضي بدفعي للمبادرة باتصال بصري سأعلق بعده بحديث متطفلٍ آخر. لم أستسلم فعادت لمقعدها غير متحملة على ما بدا أن تبقى صامتة فأدارت اتصالاً هاتفياً عشوائياً بأعلى نبرة تمكنت من التكلم بها حيث غطت بدردشتها التي لم يكن محتواها كما ظهر لي يُحَّتِم عليها إجراؤها حالاً و هنا! و ما كان لي أن أتشاغل عنها لأنها تعمدت جعلها صاخبة، أحاول ألا أكون مصابة بهوس ارتياب يجعلني اتهمها بمحاولة الانتقام مني، و لكن نفوري زاد منها حين تمت مناداتي فشيعتني بتعليق قذفت به ظهري بأن اسمي “حلو” أيضاً بنبرة أعلى مما يناسب المقام، و تحرياً للإنصاف سأعتبر بأن العدائية التي اسْتَشعَرْتها سببها الدفاعية التي كنت عليها.

لا يهم، المهم هو أنني بعد 40 دقيقة من تحمل الانزعاج من الضغط على مساحات من جذعي بالمجس، و مواصلتي تجاهل ميل الفني لأن يسلي نفسه بحديث بينما يقوم بعمله بامتناعي عن أداء أجزائي من الحوار و تحاشي أي تماس بصري، ثم اضطراره للحديث مع الاستشاري الذي وبخه لقفزه نحو استنتاجات معينة و ذَكَّرَه بأن إجراء الفحص بحثاً عن عَرَضٍ محدد مسبقاً قد يؤدي لِئلا يتم الانتباه لما عداه بالعناية اللازمة، و هذا ما جعله يقوم بإعادة بعض الخطوات، و من حديثهما حين ظنوا بأنني لست ضليعة باللغة الإنجليزية و لا على اطلاع بكل المصطلحات الطبية التي تتصل بحالتي، التقطت بعض المعلومات، و كلها لا تهمني في الواقع، إلا حقيقة أن قلبي يسبقني في العمر، ربما كان مولوداً قبلي بخمس سنوات. من قال أن كل القلوب لا بد أن تكون في سن حامليها؟!

شـئ مـن وحـي الحـدث:

http://www.quizyourfriends.com/take-quiz.php?id=1307220443168949&a=1&amp

في رأسي يمر الزمن بسرعة…

و أخاف أن يتجاوزني و لا ألحقه!

حين عرفت بأن عمري بات يُحسب باللحظات (لا بالسنوات)، قررت أن أحتفل بيوم مولدي في كل شهر، بشرط: إذا وافق يوماً من إجازات الأسابيع.

في “يونيو” وافقَ أولَ عطلة، فباشرت احتفائي بي مع نهاية الأربعاء الذي كنت قد حَضَّرت أثناء نهاره كل ما يلزم (لمفاجأتني)، و ابتعت هديتي أقرب ما عثرت عليه للعبة كنت قد اخترتها ذات عيد في طفولتي حين اصطحبنا والدي لاختيار ما نريد، ثم لم يتردد بشرائها، و لكن ليس لي، بل لشقيقتي الكبرى، فظلت أمام ناظري (و ليست بمتناولي) لسنوات، فارتحلت معي (من بين كل ما ارتحل من تلك المرحلة) غصة. في الواقع، و في ذلك اليوم بالذات، كانت ردود والدي على كل شئ أختاره: “هذا للكبيرات”، “هذا للأولاد”، “هذا للصغار”، ثم سمح للجميع باقتناء شئ مما اخترته و كنت أنا الوحيدة من بين خمسة عدت إلى البيت بيد فارغة، ليست فارغة تماماً، فقد حملت الألعاب التي كان الجواب عليها “للصغار” إلى شقيقي الأصغر الذي لم نكن قد اصطحبناه معنا!!!

السبت التالي مباشرة كنت على نقالتي الوثيرة في غرفة الجراحة و بقية من بهجة ما زالت تغذي منابع رضاي الفوارة بالثناء على كل حال. تلتها أيام الراحة، ثلاث أيام و اختنقت، فانتهزت ما بعدها فرصة لبدء التدوين هنا، جلست لأكتب رغم الوجع، ثم لم أجد بأساً في أن أستبدل القراءة في بعض الليالي بالكتابة، مع أن متعتي بها أقل إلا أنني ألتزم بها كضرورة و ليس من أجل الترفيه. و في السبت اللاحق للأول، كانت أمسية مبيتي في المشفى، حرصت بعد إزالة الغُرز و قبل توجهي لمعمل (غرفة) مراقبة النوم على أن أبتاع لنفسي بضعة هدايا ضئيلة الحجم حتى لا يثقل علي حملها، أشياء كنت قد توقفت منذ عُمر عن الاكتراث لها، حتى حين أتلقاها من الآخرين أقوم بتصريفها فوراً، كنت أستسخف اقتناء تلك اللعب التي أتأثر لظرفها مع ذلك، أمنع نفسي عن دفع المال مقابل اقتناء ما لا نفع عملي له، و لكن لا أبخل حين أقوم بإحضارها لغيري! ربما شعرت بها تتعارض مع ما يراني عليه الآخرون من جدية، و كأن بضعة دمى و مجسمات ستمثل تهديداً مرعباً على تركيزي الموجه نحو كل ما كنت قد حسبته أهم ما في حياة الإنسان المجتهد، الملتزم.

خلال الأسبوعيين الماضيين تلقيت الكثير من الهدايا المغلفة بأجمل المشاعر، كيف أصبحت أحب الحصول على اللطف الذي تحمله معها وقت تُعطى إلي؟! تغير شئ بداخلي، لا أدري ما هو، و الغريب فيه أن يطرأ بعد أن عشت كل الذي مضى من عمري و أنا أُعطي و أقاوم في الوقت نفسه أن يقدم لي أحد أي شئ، و حتى حين كان يحصل ذلك، لم يكن إحساسي يتجاوز الحَرَج حتى لو قبلت أن آخذ على مضض.
في هذا الشهر “يوليو” سيوافق يوم ميلادي أو ل جمعة من شهر “رمضان”، و قد خبئت أشياء لي، سأنسى تماماً بأنني قمت بِدَسِّها بين أغراضي، و ستدهشني المفاجأة حين أعثر عليها، و أفرح كيف تذكرت يومي!

ألم أخبركم بأن لا وقت لدي للألم؟!!

ثم أنه “حين تكون عرفت في حياتك عذاباً عظيماً، يصبح كل ألم إضافي تافهاً جداً.”

“كيف حالك اليوم؟”
“كيف صحتك الآن؟”
“كيف صرتي أحسن؟”
“طمنيني على صحتك!”
“انت كيف صحتك؟”

شكراً من القلب لكل الذين لا يسألوني مثل تلك الأسئلة!

أما بقية صديقاتي الحنونات، لا أدري كيف سأخبركن بأن فيضان تعاطفكن… أود أن أقول يسعدني و لكنني أفضل أن أصارحكن حيث من المفترض أن كل منكن باتت تعرف عقلانيتي جيداً لتتفهم تبرمي بالاهتمام الشديد بي، خصوصاً حين يأتي لأمر ليس في حقيقته على تلك الصورة المرعبة التي تشعرها كل منكن.

يقال: “الإنسان عدو ما يجهل”، و أنا أقول: الخوف عدو الإنسان، و متى ما عُرف الشئ و تعلمنا كيف نتعامل معه، تبدد الخوف حياله.

حسناً، عليكن أن تعرفن بأنني لا أصير “أحسن” بالشكل الذي تقصدنه و هذا ما يجعل أسئلتكن مؤذية أكثر من كونها مُواسية، و ليست هناك طريقة يمكن لي بها “تطمينكن” سوى الكلام (المعلوك) الذي لا يروق لي تناوله، و هذه العملية غَدَت مضجرةً بالنسبة لي لأنها لا نهائية، سَتَبْقَين تسألن الأسئلة و تسمعن مني الإجابات نفسها، فالمسألة ليست موضوع “صحة” متوعكة، بل الموضوع هو “أنا”، و بالنهاية سيثير انزعاجي أن أبقى موضوعَ حديثٍ لا ينتهي.
لا أريد من أحد أن يسألني من باب “رفع العتب” فهو غير موجود بقاموسي، و لكنني سأرحب بالحصول على الأسئلة “الصحيحة” التي تلتمس إجابات من أجل الفهم، أن تكون من أجل المعرفة، معرفتي و معرفة ما أنا عليه، فما بي ليس أمراً عارضاً يزول، بل هو أنا، الشئ الذي يتحكم بكل خياراتي في الحياة و ينعكس على رؤيتي للأمور.

لدي نوع من ضمور العضلات، و تاريخي معه يسبق معرفة أي منكن لي، لأنه شئ يُولد الإنسان به، إلا أن النوع الموجود لدى عائلتي من الفئة التي تتطور بالتدريج و ببطء مع مرور مراحل العمر، جيني (وراثي) ينتقل من الأم، نسبة احتمال انتقاله هي 100%، أما نسبة الإصابة فهي مؤكدة لدى 50% من الأبناء (ذكوراً و إناثاً)، و نحن تجاوزنا هذه النسبة، خلل في الجهاز العصبي المركزي، العضلات الهيكلية، الرئتين، القلب، الكبد، البنكرياس… و أقصى مضاعفاته أن يبلغ مرحلة التحول لأي نوع من السرطان (يا ساتر!!! أعرف بأن هذا ما سيكون عليه رد فعلكن، و لكنها حقائق علمية تستلزم منكن تنحية انفعالاتكن جانباً).

قد تتساءلن، و كيف لم تنتبهن لذلك من قبل؟

الجواب ببساطة، لأنني كنت أتعمد إخفاء كل أثر قد يفضح اعتلالي، حتى خلال السنوات الأربع الماضية التي تسارع أثناءها تدهوري حتى وصلت المرحلة التي أكافح فيها لأبقى آكل و أتنفس و امشي فقط، نعم تلك الأمور الغريزية عند البشر، التغذية و التنفس و الحركة، تستهلك مني وعياً و تركيزاً وجهداً و مداخلات علاجية لأتمكن من إنجازها، و مع هذا، تجنبت كل موقف قد يكشفني أمام أي أحد و لا حتى المقربين، لم أسمح لأحد بالإطلاع على حالتي و أبقيت نفسي بمسار لا يجعل من أي خللٍ يعتريني مرئياً لأحد، و قاتلت أكثر من أي إنسان (طبيعي) حتى أُخرج من قدراتي المحدودة أقصى إنتاجية ممكنة، باعتمادي على نفسي و دون معونة من مخلوق. و لكنني الآن تعبت، و لأحصل على حقي بالإبطاء لتوفير طاقتي و عدم هدرها على ما ليس ضرورياً لي، كان ينبغي أن أتكلم، لأن الجميع يريد حصته مني، التواصل، اللقاء، المراعاة… الخ، كلا لا أتخذها ذريعة للاعتذار عن تقصيري بحقوقكن علي، و لكنني صافحت الموت مرة، و فكرت بكل من يحبني، ماذا لو رحلت فجأة و هم لا يعرفون ما الأمر؟! هل أتركهم لحيرة التساؤلات و صدمة المفاجأة؟! فكان أن قررت أن من حق الجميع علي أن أقول كل شئ.

و الآن، كل لهفتكن و اطمئنانكن اليومي علي، صدقنني هو على لا شئ، فالذي حصل مجرد إجراء ضمن سلسلة من الإجراءات المستمرة منذ سنوات، و ستبقى كذلك لسنوات، حتى كل ما تبقى لي من العمر، فلا أريد بالتأكيد أن أعيش نفسية الإنسان “المريض”، هذا شعور تغلبت عليه و لم يغلبني، و أنتن ترهقنني بسحبي نحو تلك المنطقة التي ناضلت (بمعنى الكلمة) حتى خرجت منها.

كلا، “ما صرت أحسن” و لن أصير “أحسن”، و لكن النعمة و لله الحمد أن مهارتي بالتكيف عالية، مررت بصعوبات أشد طوال حياتي و تجاوزتها مرحلة مرحلة، و زادت قوتي و دربتني على احتمال أي نوع من الألم. هذه المرة تحديداً، لا يمكن (حقيقة علمية) أن أصير كما تتمنين لي “أحسن”. سأشرحها لكن ببساطة فقط لأجعل وَعْيَكُن يرتفع من مرحلة الانفعال إلى مرحلة الإدراك، من أجل نفسي و من أجلكن، حتى لا يجعلني التعب أتجنب الكلام معكن، لأنني لا أريد ذلك، فمن لي غيركن؟

التخطيط العضلي الكهربائي (الصعق بالكهرباء لدراسة الاستجابات الانعكاسية)، و تحليل الحمض النووي (عينات من الدم)، و تحليل عينات من العضل، هي أهم الإجراءات التي يتم اتخاذها في حالات الاعتلالات العضلية (العصبية)، لأن هناك فروقات طفيفة بين أنواع عدة تجعل من التفريق بينها بفحص الأعراض أمراً شبه مستحيل. و الجراحة التي قمنا بإجرائها هي أخذ عينة عضل لتشريحها، حيث يتم عمل شق جراحي بمنطقة الفخذ لأنها الأطول في الجسم، ثم يتم اقتطاع كمية كافية من الأنسجة العضلية تصلح لإجراء دراسة عليها للتمكن من تحديد مشاكل الجهاز العصبي و النسيج الضام (الألياف) و الأوعية الدموية و الجهاز الحركي و مدى ارتباط كل منها بالضعف الظاهر بالعضلات. من المفترض أن يكون إجراءً بسيطاً حيث يكون القطع بموقع الشق نفسه، و لكن الذي حصل معي، أنه لا بموقع الشق و لا قريباً منه تمكنا من العثور على عضل سليم، بسبب التليف، فكان علينا الحفر للتنقيب عن نسيج صالح للاقتطاع (بمقص بالمناسبة)، عرفت كل ذلك لأنني و الطبيب كنا “ندردش” وقتها و نناقش كل خطوة. و الآن بعد مرور الأسبوع الثالث على إجراء العملية، و الثاني على فك الغرز، الألم في الجرح المخيط لا بأس به، و لكن بالمقارنة مع ما يجري بعمق المسافة التي تم شقها من الداخل في الطريق من محطة الإنطلاق نزولاً حتى محطة الوصول، فهنا العذاب يتواصل بلا رحمة، و مع هذا فهو ليس بالشئ الذي لا يمكن احتماله، بل إنني كلما توجعت سعدت أكثر، يسعدني أنني من أبديت استعدادي التام لفعل ذلك، نيابة عن البقية، إذ أن النتيجة لواحد ستكون من أجل الجميع، و كلما نبض ألمي شكرت الله أن هذا الألم بي أنا و ليس بواحد من أشقائي أو شقيقاتي و أقول لن يتحملوا مثلما أتحمل.

لا أنـــام…

و ما الجديد؟! ألم أخبركم بذلك من قبل؟! و مع هذا توجب أن يتم التحقق من ذلك بالطريقة الصعبة.

عند السابعة مساءً أنهيت تناول قطعة خبز مع كوب كبير من الشاي ما زلت أستحضر استمتاعي العارم بارتشافه حاراً حتى أخر قطرة، بينما كنت أقرأ مقدمة “حياة باي”/ يان مارتل، التي لم أقاوم اشتياقي الجارف لإعادة قراءتها بعد أكثر من ست سنوات مضت على قرائتي الأولى لها، و هذه النزوة تتضمن رغبة غريبة بالعودة لقراءات ثانية من عدة روايات مرت على قرائتي لها سنوات، منها “جامع العوالم”/ إيليا ترويانوف، “اللوح الأزرق”/ جيلبرت سينويه، “رحلة بالدسار”/ أمين معلوف، بل حتى ثلاثية “مباريات الجوع”/ سوزان كولينز، و التي قرأت أجزائها متتالية في ٢٠١٠- ٢٠١١- ٢٠١٢ أحس بأنني لو رجعت لها الآن فعلى الأرجح سيستغرقني الشغف نفسه معها مثل أول مرة. لا أعلم ربما أفتش عن ذلك الشعور الغامر بالحركة بمعناها الداخلي و الخارجي كذلك، النضال في سبيل التفرد و التقارب على حد سواء، مرافقة الذين لم يشبهوا إلا أنفسهم ثم لم يختلفوا عن أحد… هذه هي ماهية الأدب كما رآها “مارتل”: تحويل الواقع بشكل انتقائي و تحريفه للوصول إلى جوهره”.

عند السابعة و النصف بدأت عملية وصلي بشبكة من الأسلاك بواسطة أقراص معدنية يتم إلصاقها بالجلد بمادة غرائية ما زالت علامات إزالتها موزعة ببقع متفرقة من جسمي، و كتل منها لا أعرف بعد كيف سأتمكن من إزالتها من شعري! مراقبتي لشريط القياس و هو يتحرك من فوق رأسي حتى منتصف قدمي لتسجيل أبعاد أجزاء معينة من أجل تحديد مواقع الشك، أعادت الي الشعور بالغرابة، نفسه الذي اعتراني قبل أسبوع عندما كنت أراقب إبرة بنهاية خيط و هي ترتفع لتمر أمام ناظري ثم تنخفض، و أنا أعلم بأنني حين لا أراها فإنها تكون تخترق نسيج جلدي المقصوص لإعادة خياطته، ذلك كان تفصيل الباترون، و الآن نحن بمرحلة التطريز التي حولتني إلى ما يشبه ثوب عرس فتاة ريفية في الرابعة عشر قام والدها بانتزاعها من مقعدها المدرسي لتزويجها بأحد أصدقائه. أحمر و أصفر، أزرق و أخضر، أسود و أبيض، كريمي و رمادي، وردي، هذه هي الألوان التي كانت تغلفني، بحثت و لم أجد شريطاً باللون البرتقالي!

عند الثامنة و النصف كان يتم رصي أنا و الجهاز، الذي أمسيت مجرد جزء منه، على الفراش، زميلٌ لفنيةِ اضطرابات النوم المكلفة بمراقبتي يمر للترفيه عنها على ما بدا لي، لأن ثرثرته و ضحكه أثارا استهجاني، فبقيت أحدق بالسقف بانتظار حلول الوقت الذي سمعته يخبرها بأنه مغادرٌ فيه، التاسعة و النصف، عرفت ذلك لأنني سمعت توديعه لها. على مرمى بصري في أعلى زواية في السقف على جانبي الأيسر، يوجد الجهاز الذي خمنت بأنه آلة التصوير، به شئ مضئ باللون الأحمر على شكل حبيبات، حاولت بأقصى جهدي و لكن لم أتمكن من معرفة عددها، تمنيت لو أنها تركت نظارتي بمتناول يدي و لكنها وضعتها بمكان مرتفع عني. أمامي جهاز المايكرفون على شكل أنبوب معلق بالسقف، قررت التحديق به حتى يغلبني النوم. ماذا حصل؟! لقد كنت أتثاءب و أدافع النعاس منذ ما بعد الظهر، و الآن عيني تبحلق في الظلام و تميز كل ما حولها مثل الخفاش!

لم أنتبه للوقت و لكن يبدو بأنه كان قرب منتصف الليل عندما اندفعت مراقبتي و أشعلت النور لتقوم بتعديل وصلةٍ ظَهَرَ لها على شاشة المراقبة بأنها انفصلت، تباً! قاطعت غفوة لا أدري حتى كيف تمكنت من الحصول عليها. خَرَجَتْ بعد أن قلبتني مثل جثة لا حول لها و لا قوة و كبست على كل ما حسبت أنه أحتاج لضغط إضافي ليثبت مكانه. عدنا لما تحت الصفر، الوسادة عالية جداً و رقبتي منزعجة، تخلصت منها، أطرافي متجمدة من البرودة، طويت الأغطية لأزيد سماكتها، و ما زالت عيني مثل كشاف في الظلام، أحاول تخمين ما قد تكون منشغلة به في الخارج و أتساءل كيف تتحمل قضاء الليل كله بمراقبة “نائم” و أفكر “يا للعذاب”! و لكن ما الذي تفعله الآن؟ تقرأ؟ تلعب؟ تدردش إلكترونياً؟ لا يعقل أنها تكرس كل حواسها لمتابعة نومي (أو عدم نومي)! لا يفعل الإنسان ذلك إلا مع أقرب الناس لقلبه، أنا نفسي كنت أفعلها مع جدي قبل مغادرته الحياة.

عند نقطة معينة من أرقي كان لا بد أن أصل للمحتوم، و لكن كيف و أنا لم أجرؤ حتى على شرب رشفة ماء قبل النوم حتى لا يحدث ذلك؟! و كوب الشاي الكبير الذي شربته كان قبل ساعات و من المفترض أنه أنتهى خلال جولتين قمت بهما إلى هناك! أحاول صرف تركيزي عن الأمر و أبدأ باسترجاع تفاصيل رحلتي الآخيرة إلى “دبي” و التي انتهت بموقف مشابه، ذهني قادني للعودة للنقطة التي انطلقت منها! و بينما أنا أناشد الشمس أن تستعجل الشروق و ألتمس طريقة تتيح لي معرفة الوقت أو تمكنني من رؤية النور حين يطلع الصباح، باغتتني رفيقةَ ليلي باقتحامها الغرفة لتخبرني بأنه ربما يجب أن تصطحبني إلى هناك!!! أول ما طرأ على بالي هو أن أسألها كيف عرفت ذلك إلا أنني كنت في حالة طارئة.

بقيت بعدها أفكر حول هل يمكنها بالفعل معرفة ما يدور برأسي و أكبت ضحكة كانت تعاند لتنفجر و أنا أتصور إطّلاعَها على كل ما فَكَّرت فيه و أتخيل ما سيكون رأيها حيال كل تخاريف الساعات الماضية، ثم طمأنت نفسي بأنها لو رأت كل شي فلن يكون تحويلي القادم إلا على “النفسية” و هو المبنى الذي يكاد يقتلني الفضول لدخوله بأي ذريعة، لأنه المكان الملئ حتما بالحكايا المختلفة التي لا تقدر بثمن.

وصلت إلى الحد الذي لو كنت فيه بالمنزل، لاستسلمت و نهضت لصنع كوب شاي مع كتاب، و لكنني كنت يائسة إلى الحد الذي ندمت فيه على عدم حملي أي كتاب، و كل الأجهزة مغلقة و بعيدة عني، اختنقت، جاءت لمساعدتي على بخ الدواء بأنفي، قلت سأتظاهر بالنوم، و لكنني احترت كيف يمكن للمستيقظ التظاهر بالنوم بغير إغماض عينيه؟! قررت، غداً سأبحث في الإنترنت و أحاول تعلم كيف أتظاهر بالنوم بشكل يخدع حتى الأجهزة. و لكنني على أية حال سأمثل الشكل الظاهري للنوم، أغمضت عيني و أخذت أردد “أنا نائمة، أنا نائمة، أنا نائمة…”، عرفت لاحقاً بأنني نجحت بالغرق في نوم عميق بعد أن كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة فجراً.

تم إيقاظي عند السادسة، أول رنة من الجهاز تجاهلتها و لم أفتح عيني، الثانية أجبرتني على فتح عيني و لكنني أردت المواصلة، فكان لا بد من أن ينفتح الباب على وجه تلك التي لم تنم من أجل أن أنام، و “صباح الخير” بصوت صاخب، ثم عذاب إزالة كل ما هو ملتصق بي بسحبه بشدة ثم سكب “الأسيتون” و فرك اللاصق حتى يتلاشى بعد أن يترك مكانه للخدوش حتى على وجهي الذي اعتذرت لي بأمنيتها بألا يتضرر إلى الحد الذي يشوه “لطفه”، إشارة إلى أن العلامات قد لا تتلاشى بشكل تام.

بعد الإنتهاء من طقوسي الصباحية لما بعد الإستيقاظ، لم يكن لدي رغبة إلا بالأكل، و بدا لي الطريق طويلاً جداً ما بين غرفة “النوم” و المقهى، لم أنتبه حتى كيف تمكنت من قطع كل تلك المسافة بِعَرَجِي الذي زادني بطئاً، خصوصاً بعد أن أزلنا القطب و بات الحكاك أشد و الألم أحَّدْ. كوب “كابتشينو” استحققته بجدارة و نصف فطيرة الجبن الأصفر بالطماطم و الخس (النصف الآخر وقع مني و لم أتمكن من الإنحناء لالتقاطه)، أخبرت العامل بالمقهى بأنني لا أستطيع حمل الطبق و المشي في الوقت نفسه، و لكنه ربما لم يفهم ما أقول أو لم يُرِد المساعدة فتغافل، اضطررت لأخذها بيدي و لم أعلم بأنه قد قام بقطعها من المنتصف، وقع جزء من قلبي معها فقد كانت شهية بسخونتها، أو ربما لأنها أول ما يدخل جوفي بعد ليلة العذاب تلك، تأكدت من حماقة العامل حين أخبرته بما حصل فسألني متى أريد الثانية أن تكون جاهزة لأخذها حتى لا يُحَضَّرها و تبقى لمدة لديه (كلا لم يكن قصده أن يعوضني عنها فليس له هذا المقدار من الصلاحيات، و هو تابع لشركة خدمات مالية معروفة تقوم بالتأمين لعامليها دون أن تسمح لهم باستلام بطاقات التأمين حتى لا يستهلكوا شيئا من منافعها)!

ختمت هذا الصباح بعد أن قام الطبيب بمعاينة جرحي عند العاشرة تقريباً ليمدد على إثر ذلك إجازتي “الإستشفائية” و ليس “المَرضية”، و مباشرة بعد ختم التقرير غادرت المشفى بمشاعر من يغادر بيته مؤقتاً و هو يعلم متى سيعود إليه، فما زالت قائمة مواعيد مراجعاتي تغطي الأربعة أشهر القادمة حتى الآن.

الأحد 23/6/2013

أن يباغتك الأمر المروع بحدوثه و أنت تشعر بالأمان، أهون من أن تعيش الخوف منه ثم لا يحصل.

من المقرر أن أذهب مساء الغد للنوم، في معمل “النوم” التابع لعيادة “النوم” التي على ما يبدو لم يسمع بها أحد من العاملين في المشفى من قبل، حيث توجب علي مسح جميع المباني في مراجعتي الأولى بها، كل الطوابق و الأقسام، و سؤال كل من صادفت بطريقي لأتلقى التعبير نفسه، علامة تعجب مرفوعة الحاجب: -النوم؟! -نعم “النوم”. -تقصدين التنويم؟! -كلا “النوم”. -لم أسمع بها من قبل و أنا أعمل هنا منذ ثلاث سنوات! هذه المرة الأولى التي أسمع عنها و أنا أعمل هنا منذ سبع سنوات! لا أظن يوجد عيادة بهذا الإسم! الشكر لكم يا سادة و لكنني عثرت عليها بعد ما يقارب الساعتين، و عرفت بأن معمل مراقبة “النوم” الملحق بها يعمل لأربعة أيام من الأسبوع، و يبدأ استقبال المحولين إليه عند السابعة مساء ليكونوا حاضرين للذهاب إلى الفراش عند الثامنة.

الذين يعرفونني، يعرفون أن لدي القدرة على النوم في أي مكان دون أن أشعر بالغرابة، بل بإمكاني النوم في ظروف يعجز غيري عن الإستسلام للنوم خلالها، و بمجرد أن يغرقني الظلام أنسى تماماً أنني بمكان جديد علي، و حين أبلغ أشد درجات النعاس لا يعود يؤثر اكتظاظ المكان أو وقوعه بمنطقة حركة على عمق استغراقي في إغفاءتي، فقد أنام أثناء التنقل مهما كانت الوسيلة، و نمت مرات من قبل في قاعات الجامعة بانتظار محاضرات، نمت مرة في محطة القطار بانتظار شروق الشمس و حلول موعد أول رحلة، و نمت مرات لا تعد في المطارات، أنام في صخب الأعراس حين تنهار مقاومتي و لا أبالي عندها بحدود اللياقة، بل إن من الأفضل أن يراني الناس نائمة على أن يتعرضوا لشئ من سلاطتي حين لا أعود أسيطر على أعصابي.

عندما أنشغل بشدة، لا أنام، أربعة أيام هي أقصى ما يمكن لمن حولي تحملي حين لا أنام، بعدها حتى أنا لا أطيق نفسي. و الآن أنا أحتاج لمثل هذا التدخل لأنني أعجز عن النوم منذ مدة، ليس على الإطلاق، إلا من غفوات مختلسة تزيد من حنقي حين لا أتمكن من جعلها تطول، و أنا لست منشغلة بأي مهام تضطرني للبقاء مستيقظة، فقط هناك ما يمنعني من النوم و أنا أريده، بمجرد أن أفقد السيطرة على حواسي أختنق فيفزعني ذلك و يهرب النعاس مني، ليس ذلك النوع من الاختناق الذي اعتدت مقاومته منذ أربع سنوات بما لا يزيد عن ثلاث بخات من دوائي، و لكنه شئ آخر يجعلني أتوقف عن مواصلة عملية التنفس إلا إن كنت أوليها تركيزاً كافياً.

لم أجرب من قبل أنا أنام و أنا أعلم بأنني مراقبة، و لا أدري إن كان هذا عاملاً إضافياً سيزيد عجزي أم سيجعلني أتمكن من النوم باطمئنان.

و يحصل مرةً من بين مئات الأيام أن أتوقف عن المقاومة و أقول “لا فائدة”!

ليس الأمر أنني لا أُقَدِر حاجاتي الصغيرة وقت كونها متاحة، بل على العكس، ربما من أكثر الأشياء إزعاجاً بي بالنسبة للآخرين هو حرصي على الإحتفاء بكل الأشياء في وقتها، لا أؤجل التعبير عن سعادتي بمتعي الصغيرة، أرتشف لحظاتي ببطء متمعنة بكل ما يمكن العثور عليه فيها من جمال. و لكنني الآن أفتقد العديد منها، ابتعدت عن عاداتي الأثيرة لخمسة أيام، أفتقد الإستحمام، أفتقد التقلب في النوم، بل أفتقد النوم، الشمس لم ترني كل هذه المدة، أشتاق للمشي حتى على صعوبته التي كانت، أي نوع من المشي، لن أمانع، يضجرني السكون و في الحركة حياتي، التسكع في السوق لساعات من أجل التحضير لاحتفال يبهج الصغار تحت أي ذريعة، التجول بين أرفف “المتنبي” المغبرة حتى يتم طردي عندما يحين وقت الإغلاق، الهرولة بورقتي التي يفترض بها أن تكون قائمة احتياجاتي التي أنسى البحث عنها و أشتري كل شئ أعرف بأن فلان يحتاجه أو أنه سيعجب فلانة ثم أعود كل مرة بلا شئ لي.

يكفيني للتحليق في عالمي أن أكرس كل حواسي لتذوق القهوة المثلجة بينما أسير، أو أن أحتضن كوب الشاي الحار بينما أتأمل حركة الناس من حولي، و حين ألتقط الخبز حاراً بيدي لألتهمه و أنا أتصور مراحل وجوده حتى لحظة انتهائه بيدي، و لأني من أشد المعجبين بالمعجنات (البيتزا تحديدا)، فإنني لا أستمتع إلا بتناولها ببطء و بقضمات صغيرة أُفَضِل أن أقطعها بيدي مجردة من أي سلاح، بينما أقبض عليها بيدي الثانية، و برأيي هذه هي الطريقة المثلى لتناول الأكل، و لهذا أميل غالبا للأطعمة التي يمكن لي لمسها بيدي قبل وضعها بفمي، هكذا أعبر عن تقديري لهدايا الأرض لي و هبات السماء.

أشيائي الصغيرة هي ما يبقيني على ارتباط بأيامي حين أتعب و يغمرني الشعور باللاجدوى، و لذا أكثف عيشي اللحظة، ربما هذا عَرَضٌ طبيعي لدى الذين عاشوا اختزال المراحل من قبل حتى تَسارَع احتراق أيامهم، و حين وجدوا أنفسهم عند الحافة على وشك السقوط، اتخذوا قرارهم بالإبطاء و الإستمتاع بالرحلة بدلاً من الإنشغال بوجهة الوصول.

أليس الألم ضرورة، بل نعمة؟!

الألم ينبهنا لنلتزم الحذر، إنه التماس الجسد منا رعايته. لاحظت بأن الجسم يبدي رد فعل التألم حتى و هو تحت التخدير، حتى حين يتم تخفيف حدة إحساسك بالألم، لا يمكن خداع جسمك، يبقى يعي ما يحصل معه.

عندما خرجت صباح السبت من عملية جراحة بسيطة لاقتطاع عينة من العضل، و حتى مع كون التخدير الموضعي لم يعمل معي بأقصى فعاليته، إلا أن شعوري بالألم في وقتها لم يكن يُذكر، بعد أن كنت قد تدربت جيداً خلال الأشهر الماضية بالإنتقال صعوداً من مستوى لآخر، فأصررت على النهوض و المغادرة لوحدي، و رغم التحذيرات، تنقلت على قدمي بين عدة أقسام لإنهاء إجراءاتي بنفسي، ثم و بعد تقريباً ثلاث ساعات، أكثر قليلاً، انتهى الحلم و عدت للحياة الواقعية، كنت قد جعلت نفسي أصدق بأن هذا هو كل ما سيكون عليه الأمر، و لا مزيد من الألم، و لكن تبين بأن الألم الحقيقي لم يكن قد بدأ بعد!

كنت قد انتبهت من قبل أثناء جلسة صعق بالكهرباء استمرت معي لساعة، بأن تعاقب الألم مؤلم أكثر من شدة الألم نفسه، كانت الصعقة الواحدة غير مؤلمة، اثنتان، لا بأس، ثلاثة، يمكن احتمالها، أما المواصلة على الموقع نفسه بتكرار سريع يصل لأربعة عشر أو يتجاوز العشرين ضربة! نعم كنت منشغلة بالتركيز على متابعتها بالعَد، أنا مهووسة بِعَدِّ كل شئ، و هذا موضوع آخر يتعلق بعجزي عن إتمام أي عمل دون ربطه بالأرقام، في الواقع يصعب علي شرح ما يدور برأسي من قصص الأعداد التي أخاطب بها نفسي بينما أنجز أي عمل، و كيف كل رقم له شخصية و حياة و تاريخ و ذكريات يتقاسمها معي، و حين يستغرقني الوقت لاختيار أي شئ فإنني أكون حينها أؤلف الرابط الذي قد يضفي معنىً منطقياً (بالنسبة لي) لكوني اخترت شراء هذا العدد من ذلك الشئ أو تناولت قطعاً تبلغ عدد كذا من صنف معين من الأكل أو كم مرة رشحت الماء على وجهي لأغسله أو كم مسحت كل رخامة بشكل متساوي من كل الجهات… الخ

نعود لموضوع الألم:

الألم يحيينا لا يميتنا، يكثف الحياة بداخلنا و يجعلها أثقل من أن تتلاشى بسهولة. المرض مسألة ذهنية، و أولئك الذين يبتئسون للنقص يعتري صحة أبدانهم، هم حاملي أرواح ميتة سلفاً.