و كيف لا أحب نفسي؟!

اقول حب نفسك يخي

 

“كيف أحب نفسي؟” في كل مرة يصلني فيها هذا السؤال يكون ردي “و لماذا لا تحب نفسك؟!” و كأنني لم أكن يوماً “هناك” أو كأنني نسيت كم من عمري قضيت و أنا أستقبل إساءات و أمر بإحباطات و اضع نفسي بمنازل دنيا في سبيل.. حسناَ؛ أصبحنا نعرف الآن بأنه لم يكن حباً و لا حتى شيئاً قريباً من الحب، ليس إلا نظاماً مصمماً للسيطرة على العقول من أجل إعدادها لتكون قابلة لاستقبال الأوامر و تنفيذ متطلباتها بما يضمن استمرار دوران العملية دون حاجة لإعادة “البرمجة” الأساس. نعم أنت مجرد “وحدة تخزين بيانات” عملها أن تنسخ محتوياتها على وحدات تخزين إضافية؛ و هكذا يواصل “النظام” تشغيل نفسه.

يمكن للرسائل التي يتم توصيلها (أو عدم توصيلها) إلينا في الطفولة أن تأخذنا نحو أشد الأماكن ظلمة في رفضنا، عدم استحساننا، بل حتى إنكار معرفتنا لذواتنا. كل عوامل هذه التجربة مخططة للتواطؤ على جعلك تصدق شيئاً واحداً حتى تعتقنه حد اليقين، منذ مجيئك إلى هذه الحياة، أول ما يتم إخبارك به هو أنك “لا تعرف”، و يبقى هذا المعنى يُقال لك بكل الطرق، في البيت ثم في “المدرسة” و في كل ما سيليهما، هكذا حتى تقرر يوماً بأنك اكتفيت من الخضوع للأكاذيب، و تبدأ تتذكر أنك بالأصل “تعرف”، و تعود لاكتشاف الطريق الذي مشيته أول مرة و أنت معصوب العينين، و لكنك الآن استعدت بصيرتك؛ و أنت الآن ترى.

حقك في أن تتم رعايتك و حمايتك و قبولك، هو شيء يأتي معك ثم يتم تجريدك منه – مثلما قام الزوجان “تيناردييه” في رواية “البؤساء” بسلب الكساء الفخم الذي كانت ترتديه الصغيرة “كوزيت” بعد استلامها مباشرة من والدتها لرعايتها مقابل أجر مالي، ثم بيع تلك الملابس و التقتير على الطفلة و تسخيرها للعمل لصالحهم طوال مدة إقامتها لديهم إلى أن تم إنقاذها من قِبَل ” جان فالجان”.. مثل ذلك أنت تأتي برداء من القداسة و أنت مستحق لأن تكون محبوباً و مرغوباً و محتفىً بك دون أي شرط، و لك أن تتم تغذيتك و إشباعك و إنماؤك بلا أي مقابل منك، و حصتك في مصادر هذا الكون مكفولة و أنت تحب ذاتك؛ و أنت تنمو؛ ثم و أنت تخدم وجودك.

و لكن أهلك (مثل معظم البشر) مدربون على وضع ثمن عليك أن تدفعه مقابل “حقك” في العيش و في البقاء، و حقك في أن “تكون”! كل ما يتم تقديمه إليك من لحظة خروجك إلى الدنيا سيكون مختوم برقعة “سعر”، و من الآن كل العلاقة التي تحكم تعاملاتك معهم ستكون أشبه بكشف حساب كبير مُعَد لتقييمك و محاسبتك و تغريمك عِوض كل اشتراط لن يمكنك الوفاء به، و كل توقع ستعجز عن تلبيته، و كل دور مرسوم لك حين لا تتمكن من تأديته. مستوى جودتك هنا يعادل أهمية وجودك، و بقدر ما تجتهد بجعل نفسك ملائماً ستنال من الاحتواء، و كلما انصهرت على شكل القالب المُعد لك فأنت في أمان.

و بينما يتم تدجينك؛ فإن كل احتياجاتك (التي تخدم هذا الغرض) تندرج تحت بند “الضرورات” و لا يمكن اعتبارها مشكلة حتى عندما يتعسر تأمينها. و في الظاهر، سيبدو و كأنه قد تم بالفعل سد كل حاجاتك و احتضانك بينما تكبر و تجهيزك بما يلزم للانطلاق في طريقك متحرراً من كل الروابط التي ستشدك إلى الأسفل، إلا أنك ستُذهل حين تخرج إلى “العالم” و تكتشف بأن كل العملية كانت تهدف إلى جعلك مربوطاً بشدة بهم حتى لا تستطيع أن تغادرهم حين يحل وقت استحقاق ديونك لهم، و كل زيادة في ما أُعطِيته من قبل؛ تُحكِم قيودك أكثر حتى لا يمكنك الفرار بعيداً إلا بقدر ما ستسمح به مطاطية النسيج الذي تم غزله من حولك.

كل ذلك “الحب” المزيف لن يترك لك مبرِراً لأن تغضب منهم فتقوم بتوجيه الغضب إلى نفسك، و كلما شعرت بالاستياء تجاهد نفسك بكبته و تستبدله بالشعور بالذنب، لأن المعلومات التي تم تخزينها في ذاكرتك تخبرك بأنك الآن جاحد للمعروف، و من هنا تأتي كراهيتك لنفسك (أو انعدام حبك لنفسك). غضبك المتفاقم هو الحب الغير مُعبر عنه؛ لأنهم لم يحبونني كما يجب فلا بد من أنه ثمة خطب بي، قد أكون لا أستحق و ربما هم محقون و أنا فقط “لا أعرف”! كم أكره نفسي؛ و هم أيضاً لا يسمحون لحبي لهم بالخروج لأنهم لا يحبونني و لا أعرف ما الذي علي فعله لكي أستحق أن يحبوني و يسمحوا لي بأن أحبهم…

تذَكَّر قبل كل شيء أنك بالأصل روح لا تعرف إلا الحب، و ذلك الحب ليس مرتبطاً بما قد تفعله أو تقوله أو تكونه، الحب هو أنت على حقيقتك. روحك أوسع من أن تضيق عن احتواء جماعتك و ناسك و كل البشر، و حين تفهم كيف تحولت محبتك إلى غضب و كيف توقفت عن حب نفسك لأنك مستاء من الآخرين، فستتعلم كيف تعود إلى حالتك النقية من كل بغض، ومن ذلك الأسى الذي تراكم فيك بفعل تتابع التجارب المؤلمة عليك حتى لم تعد تعرف من أين بدأ مقتك هذا و لمن هو موجه و لأي الأسباب. توقف هنا لتدرك بأنك ما زلت تلعب لعبتهم؛ أنت كذلك لا تعرف كيف تحب، جرب أن تبدأ بإسقاط كل مفاهيمك القديمة عن “الحقوق و الواجبات”.

استهدف الحب و انسَ أمر العلاقات؛ توقف عن انتظار شيء من أحد، خصوصاً ما لم تقدمه أنت لنفسك، و توقف عن افتراض ما هو حقٌ لك على غيرك و ما هو واجب عليهم لك، قم بفصل أدوار الناس في محيطك عن توقعاتك منهم، تلك والدتك و كان من الممكن بحسابات أخرى أن تكون مثلاً جارتكم و تبقى هي ذات الشخص بكل مواصفاته و سلوكياته و ميزاته ثم لا تحصل منك على ردود الأفعال و الانفعالات و المواقف ذاتها. لا تفرض تصوراتك (أو الإطارات المتوارثة) على الناس بناءً على صفات قرابتهم بك، و سيسهل عليك الخروج من دائرة توجيه اللوم و تبادل الاتهامات، و أيضاً الامتناع عن مقارنة ما تعطي بما تأخذ.

طالما أنك تحيا في العالم المادي فسوف تنطبق عليك قوانينه؛ الخلل الظاهر يتم إصلاحه من الخارج و بعد ذلك يكون التفرغ لصيانة “الداخل”. و قبل أن تمتلك مهارات العيش من العمق؛ لا تسمع لمن يحدثك عن مبدأ العمل من الداخل للخارج؛ لديك ثغرات تستنزف طاقتك، لا بد من معالجتها أولاً حتى تتمكن من استجماع قواك الداخلية. ضع نفسك أولاً و تجنب تكريس عطاؤك للآخرين في هذه المرحلة؛ لا تنسى، أنت تحب نفسك أولاً، ثم “أنت” تنمو، و بعد ذلك فقط تكون ثمارك صالحة لأن تقدم منها لمن تريد و على حجم ما تركت نفسك لتنمو.

العلاقات تُبنى على احتياجات و متطلبات و اشتراطات، و لا بأس في ذلك، و لكن استرجاع الفطرة على الحب سيجعل كل علاقاتك لا تعكس إلا ظلال الحب، و ستنتهي من نوع العلاقات التي تتذبذب فيها المشاعر بحسب مدى التزامك بتلبية شروطها أو تقصيرك فيها. و حتى النهايات لن تكون مؤلمة بَعدْ، و لا مشحونة بالغيظ، إذ أن الحب الشامل ينساب عند إحياؤه ليغمر ذاتك و يفيض على غيرك و يلامس كل الأشياء من حولك؛ لا يجعلك محدوداً و لا منفصلاً، هو كلِّي لا يتجزأ. حبك لذاتك يتجسد بحب جميع الأشخاص في عالمك لك، و لا يمكنك ادِّعاء هذا النوع من الحب لنفسك و أنت تعاني من انعدام الانسجام مع الناس في محيطك، يمكنك أن تخدع نفسك و أن تكذب على الآخرين و لكن لن يمكنك التحايل على عالم النوايا الحقيقية؛ الخارج هو مرآة الداخل.

ستتأكد لاحقاً أن كل من هو متواجد بعالمك فهو إما نسخة قديمة منك أو متقدمة عنك، و هذا سيكسبك منظوراً جديداً أعلى من “عدم المقاومة” أو مجرد “القبول”، سيصير احتفاء بكل أحد مهما كان ما هو عليه، و احتواء للجميع بكل ما فيهم، و لا يصل أحدهم إليك إلا و هو مرحب به سلفاً ليكون “نفسه”، حقيقياً و على طبيعته، و هذا هو الوجه الآخر لقبولك ذاتك. بالتدريج سيختفي من مجال تعاملك كل من يتعارض وجوده مع اختيارك للحب و سلامك الداخلي و اتزان إدراكك.

يمكنك أن تبدأ التدرب على حب النفس بتكثيف اعتناؤك بك، قم بهذه الحيلة و تخيل أنك ذلك الحبيب الذي تسعى لجذب انتباهه ليقع في غرامك. كل ما تراه سائداً على اعتباره تعبيراً عن الحب من شخص لشخص، خذه و مارسه مع نفسك؛ تجَّمل بسخاء.. أخرج في نزهة.. تكلم بلطف.. تجاوز زلاتك.. لاحظ تفاصيلك.. قدم لك هدية.. مشروب دافئ.. رسالة غزل… اعطي لنفسك على الجودة التي تعطيها لغيرك، و إن كانت متدنية من الجانبين؛ ابدأ بالجانب الخاص بك، إذ كما أن سلوكياتنا هي المؤشر الذي يعطي قراءة صادقة لما بدواخلنا، فكذلك تضبيط الداخل سيتجلى في تصرفاتنا. لا تخفي عاداتك التي لا تروق لك أو تتظاهر بعكسها، استبدلها و ستتلاشى ببساطة.

لو شعرت بأن بعضاً من المرارات القديمة ما زالت تعيقك؛ لا تستعجل تحررك منها، يمكنك تركها للوقت الذي سوف تصبح فيه أقوى على مواجهتها بعد أن تكون قد ابتعدت عن تأثيراتها عليك بما يكفي لأن تراها بوضوح و بتجرد أكبر. صدق بأنك ستنظر يوماً لكل معاناة و ترى فيها الدرس الذي جلبته لمستقبلك، و سترى المُعلِّم في كل مسيئ تعرَّض لك بالأذى. فبالنهاية، هي ليست إلا أدوار، و كل منا سبب لتدابير أعلى لا يمكننا الإحاطة بها. و لسنا الذين نعطي و إن كنا مسخرين لتوصيل العطايا لمستحقيها؛ استلم الرسالة و كن ممتناً للرسول. هكذا نتعلم كيف نحب، كل تجاربك الماضية هي مجرد تدريبات قاسية على الحب.

الحب في جوهره مثل نهر جارٍ، جريانه لا يتوقف على وجود أحد معه أو بقربه، و هو لا يغير مجراه ليلحق بأحد، و لا يبحث كذلك عمن يمكن أن يُسقِط عليه محبته. الحب كينونة و ليس فعل، النهر يقدم من نفسه لمن ينحني عليه ليغرف منه، و لا ينشغل بالتفكير بمدى استحقاقه، عطاءه ليس واجب، ببساطة هذه طبيعته و هكذا هو يكون. و عطاياك ستتجه لمن تعرف و لمن لا تعرف لأن الحب فيض داخلي تستقيه من حبك لمصدره، استشعارك الدائم لحب الخالق يظهر في حبك لمخلوقاته، بما فيهم نفسك، و هذا هو معنى أن تكون أنت الحب.

على سبيل الحب

التشتت VS التركيز

شريحة1

 

اعرف شيء “عن” كل شيء، و اعرف كل شيء في شيء واحد.

استعجالك القفز على المراحل التي تعتقد بأنك متقدم عنها هو ما يتسبب بشعورك بالتشتت، ربما تكون تعرف الكثير بالفعل و لكن المعرفة ليست الغاية، هي مجرد مرحلة ستوصلك مع الانضباط إلى المنهجية التي سيتضح لك معها إلى أين تود الاتجاه و هكذا سيتلاشى التشتت.

قد يضجرك بالبداية اضطرارك لأن تُبطئ من إيقاعك و لكن المفاجآت ستكون تنتظرك بالنهاية و ستتسارع عندها القفزات الكبرى. بدايتك في طريق تحقيق الذات هي أقرب لعملك وفق لائحة مراجعة (checklist) تخدمك بتفحص متانة تأسيسك للتحقق من جاهزيتك للارتقاء للمستوى التالي على خط تطورك الشخصي.

مع تقدمك ستكون قد تبلورت قدرتك على تخطيط منهجك الخاص، أنت هنا إذا كنت قد انتهيت من تأسيس نظام حياة مبني على تطبيق كل معرفتك و صار مسار حياتك أوضح لك؛ اكتشفت أين أنت الآن و قررت أين تود أن تكون، أنت تتحضر للخروج من دائرة التغيير باتجاه دائرة التأثير.

مهما كان ما تعلمته و عملته حتى الآن، لو كنت ما زلت في دائرة المعاناة فارجع و قم بإعادة كل العملية من الأول. الإنسان المؤثر ليس هو الشخص العالق في “مشاكل” الحياة الاعتيادية و لا يمكن أن تعطله العقبات التي يقف عندها الشخص العادي، اعرف مرحلتك و تعامل معها.

فلتر متابعاتك و قم بتطوير أدواتك، و لتختار بعناية من بين المرشدين، فتش عن الأصالة، تجنب مجموعات الاقتباس و النسخ و التجميع، ستتعلم أكثر حين يكون معلمك هو مصمم المنهج الذي يقدمه و مُعِد المواد التي يستخدمها و متحدث بلغته الخاصة التي جعلته مميزاً عن النسخ المقلدة منه.

أحط نفسك بمن تلتقي خطوطهم مع خط سيرك؛ الذين يضيفون لك و تضيف لهم. و لتأخذ عليك أن تعطي، و أن تصدقني حين أخبرك بأنك حتماً تمتلك ما يمكنك أن تعطي منه حتى لو كنت لا تدري، تعرَّف جيداً على ملكاتك و اكتشف ميزاتك و باركها بتسخيرها في الخدمة العامة بمحيطك.

استثمر في نفسك بسخاء، يمكنك توظيف كل ما تكتسبه من معرفة في إنتاج أي عمل موجه لإفادة الآخرين بما عندك، احرص على أن يكون لاجتهادك ثمار ملموسة. حدد مجالك و احذر من أن تتحول مسألة “توسيع الخيارات” إلى ذريعة تبرر هوسك بتكديس كل ما يصل إليك من مواد.

اتبع إيقاعك الخاص؛ لا يوجد نظام أفضل من الثاني، ما هو لك يختلف عما هو لغيرك. ثق بحدسك و سلم نفسك لنفسك، مع كل خطوة ستعرف التالي لوحدك دون أن تخلق من حولك تشويشاً بطلب النصح من الآخرين أو محاكاة تجاربهم أو تقليد طرقهم دون التأكد من أنها حقاً تناسبك.

 

 

 

لديك قصة

شريحة1 ‫‬

و لَأن تخبر قصتك بنفسك خير من أن تدعها ليستولي عليها صانعوا “الأخبار” الذين إما سيصنعون منك القصة (قصة كبيرة)، أو سيخلطونك مع الجميع في قصة تافهة واحدة حتى تختفي في رتابة “اليومي”. فأنت إما خبراً بارزاً، أو عادياً جداً؛ قد تكون الحَدَث أو قد تكون في الخلفية الباهتة التي يجري من أمامها و يطمسها ذلك الحدث.

لديك قصة؛ و لكل قصة هدف، و تلك القصة اختارتك لتروي جانباً من قصة أكبر. قد تظن بأنك تمتلك القصة، و لكنك حين تغيب تبقى القصة؛ فأنت للقصة و هي ليست لك، و مع هذا فخلودك مرهون بروايتك لها، بقدر ما ستعيش القصة من بعدك؛ أنت تعيش.

يُقال: “لا تروي قصة إذا لم تكن تعرف نهايتها”، و بما أن النهايات لا نهائية؛ إذن فليس هناك من “نهاية” لتعرفها قبل أن تشرع برواية قصتك! كل نهاية شيء هي بداية لشيء آخر، فقط اختر النقطة التي تود اعتبارها نهايتك (الفاصلة) الحالية ثم انتقل لبدايتك التالية.

يحدث الكثير بعد أن تروي قصتك؛ عندما تُخبر القصة فإنك تضع لها “نهاية”، و من بعد “النهاية” ستخلق “بداية” قصة جديدة. حين تقوم بصياغة القصة بكلماتك الخاصة فإنك تستعيد السلطة منها، أنت الراوي الآن، يمكنك التعديل عليها أو تغييرها بل و حتى التخلص منها و كأنها ما “كانت“.

لكل أحد في هذا العالم قصة، و من الأفضل لكل قصة أن تُروى من جانب صاحبها؛ لن يمكن لأحد أن يخبر قصتك عنك كما يمكنك أنت أن تفعل، إذ أن الذي رأى بنفسه غير الذي سمع. أنت مَن كان هناك في القصة؛ أنت و ذاكرتك و خيالك و أحلامك، لا يمكن لقصة أن تكون مكتملة إلا بأوهام و أكاذيب و هلوسات كاتبها.

لديك حياة واحدة، يمكنك أن تنفقها على أن تحياها من العمق إلى العمق، أو أن تبددها بالعيش كمجرد عابر على قصص الآخرين. عليك الاكتفاء بعيش حياتك كما يجب على أن توزع نفسك على أكثر من حياة هي ليست لك، ثم لا تعيش أي منها. جرب مرة ألا تحجب نفسك خلف تجاربهم و أن تتحدث بصوتك أنت.

لقد اخترت منذ بضعة سنوات ليس فقط أن أنسى، بل و ألا أعرف حتى ما يجري من حولي على هذه الأرض، و حين سأقرأ بعد عشرات السنين تأريخاً ملفقاً للحقبة التي عاصرتها دون أن أكترث لمعرفة كل ما يحصل بها، سأعتمد على قصص الصغار الذين كبروا ليخبروا عن كل الذي حصل و فاتني معرفته في وقته.

ليس الخبر البارز، بل قصة الإنسان “العادي جداً” هي التي توثق تاريخ هذا العالم. ابدأ من النهاية لكي تعرف من أين سوف تنطلق و إلى أين ستتجه؛ فكِّر في عمرٍ تغزله من بقايا حَيَوات ممزقة، أو عمر يكون هو جسرك نحو البصيرة و به ستعمل على ترك القيمة التي ستساهم بها في رفع رصيد هذا العالم من الحكمة؛ أيهما ستختار؟

ليس هناك عذاب أشد من أن تحمل حكاية غير مروية في داخلك. *مايا آنجلو

الألم الذي يُحرِّض على الإبداع

not you

 

الإنتاج الذي قد يحرضه فيك “الأسى” أو “البهجة” هو ذاته الذي يمكن لحياد المشاعر أن يجعلك تمتنع عن إتيانه؛ و لذا نحن لا نحب المكوث طويلاً في خط “الملل” الفاصل ما بين “الشغف” و “الإحباط”.

قال و هو يرفع الكتاب: هذا الرجل لديه مشكلة.

سألته: و ما مشكلته؟

-إنه يعتبر الملل فناً.

*تشارلز بوكوفسكي

 

ما يفعله المحبَطون بالمحبَطين

شريحة1

عندما تشعر بالإحباط تكون إحباطات الآخرين (لو أنت سمحْت لها بالتسرب إلى مساحة إحباطك الخاص) أشد خطراً عليك من إحباطك الشخصي؛ أما حين يكون من المتعذر اختراق حصانتك المنيعة ضد أي إحباط يصير الاقتراب منك أنت خطراً على المحبَطين أنفسهم.

إن كنت مبتهجاً بطبيعتك؛ فإن حماستك ستستفز غضب العالقين في دوائر معاناتهم، مجرد مشاهدتك و أنت تقضي أياماً ممتعة على هذه الأرض ستثير مخزون استياءاتهم تجاه كل تلك الأشياء القديمة المتكدسة في أعماقهم؛ فتَرَفَق بهم و بنفسك و خفف من ظهورك في حيزهم.

أما إن كنت أنت ذلك المحبَط الغاضب فقم بعزل ذلك الاحتقان عن كل ما يمكن أن يكون مصدراً محتملاً لتغذيته، و حاصره و هو فيك حتى تتجنب تلويث مجالات المحيطين بك بالصديد الذي سيتفجر منه حين يطفح و تقوم بفضه من أجل تفريغه.

 

الغضب المتصاعد بداخل النفس، كانت له وظيفة في وقته، و لكن بعد أن تمت مراكمته، تحول إلى بثرة كبيرة فاسدة، مع إهماله سيبقى يتضخم و يستمر بالانتشار حتى يشوه حقيقتك. الغضب المكبوت هو ما يدمر عالمنا و ليس الغضب المُعبَر عنه في حينه؛ اكتشف طريقتك المثلى بالتعبير و مارسها، سوف تلاحظ أنك عرفت ما هي مهارتك، سيتلاشى الغضب مع الوقت، و سيتبقى إبداعك.

الكلمة هي الفعل

IMG_3638

كنت قد أشرت هنا إلى تطبيقي لبرنامج Find Your Word 2016 بغرض التوصل إلى وضع عنوان عريض ليكون الإطار العام لكل ما ستحتويه السنة، و كانت “الكلمة” قد ظهرت معي منذ اليوم الثالث و مع هذا أكملت اليومين المتبقيين (لأتأكد).

كانت تلك “الكلمة” تُصدِر وميضاً خافتاً خلف كل كلمة من كلماتي العشرين الأولى، ثم أخذت تزيد حدة و سرعة تتابع ومضاتها بينما أقوم بتصفية العشرين إلى الخمس كلمات النهائية، حتى تحولت بالأخير إلى لطخة كبيرة مضيئة بقيت تنتشر حتى غطت كل الأوراق.

كلمة واحدة تُخبر عن امتلاك الجاهزية القصوى لتكريس الوقت و المساحة و الطاقة التي تعادل حجم أهمية كل ما هو مهم لدي، أو لنقل؛ لدى غيري! لأنني (و كما في كثير من شئون الحياة الاعتيادية) اضطر لاختلاس النظر إلى أوراق الآخرين لأعرف كيف سأُقَدِر مقدار أهمية بعض الأشياء.

أُغافل القرد الصغير العابث بداخلي الذي قد يقود أي أحد إلى الجنون (و لكنني أتعايش معه بشكل جيد)، و أجرب تنظيم العفوية الطاغية التي تدير أيامي. و أدري كم يصعب على الذين يعرفوني الاقتناع بأن كل ما أعمله و كل ما أنجزته في حياتي نابع من عفوية الطفل فيَّ.

كل هذا الذي ترونه مني، و كل الذي أخفيه عنكم كذلك، هي أشيائي التي أحب، لا يمكنني أن أمارس إلا ما يثير شغفي، و قد عملت على التأكد من ذلك عندما سلمت السنة و نصف الماضية بالكامل لتسير “على البركة” و بقيت كل الأمور تتالى في سريان و بلا جهد مني.

لم تتبدل معايير أدائي، ما زال حرصي على الإتقان، حس المبادرة بتولي القيادة، انغماسي بالمهمة بلا ملل حتى تتم… و لكنني أميل غالباً لتصديق ما يقوله الآخرون حين يتعلق الأمر بمكونات العالم المادي الذي لا تنسجم معه روحي. يخبرونني بأن علي أن أفعل (أو لا أفعل) الشيء فأجرب بنفسي و أرى.

لأنه بالنهاية لن يمكن لأحد أن يخبرني بما علَيَّ أن أشعر (أو لا اشعر) به؛ لذا لا أرى بأساً بخوض تجربة العيش لمرة وفق “خطة عمل” سأقرر بعدها إن لائمني النظام أو أقوم بتغييره. صارت عندي مناعة قوية ضد التأثر بلدغات الأشخاص من فصيلة Mr. I Know Everything

ما زلت أتناول المسألة كلعبة؛ استيقظت يوماً و قلت: “اليوم ألعب لأفوز” و فزعت قليلاً؛ فأنا ألعب كل يوم لألعب و حسب فما الذي تغير الآن؟! من معرفتي لذاتي سأقول بأنني رفعت من مستوى اللعب لا أكثر.. ما زلت أسير في خط الاستمتاع بالحياة.

لماذا “الالتزام”؟ تبدو لي الكلمة بعيدة عما أقصده بها حين تُقال باللغة العربية حيث تبدو أكثر تزمُّتاً من مرادفتها باللغة الإنجليزية حيث تبدو مسترخية أكثر في تعريفاتها. و هي (الكلمة) ظهرت لي كعامل مشترك يجمع كل “كلماتي” برابط واحد.

الالتزام مع “الناس” يتضمن الارتباط بأفراد العائلة و فريق العمل و مساعدة الأصدقاء و التعاون مع الزملاء و كلهم في دائرة الأخذ و العطاء (التعلُّم و التعليم)، و قبل الناس هناك التزامي مع “نفسي” بالطبع، ثم يوجد الالتزام مع “البيت” و فيه مساحة العمل و حيز اللعب و التذوق الجمالي و النشاط الحركي؛ لدي التزام مع “البهجة” كذلك و هو نوع من عقود الاحتكار لا يمكنني المخاطرة بفسخه.

بتوهجي و نموي، مشاركة حماقاتي و الاحتفاء بوجودي، و التزامي الذي يغلف كل تلك الأشياء بالحب، و بالحب يتولد كل الإبداع و العافية و المقدرة و التمكن التي تجعلك تلتزم بسهولة بكل التزاماتك؛ التزامي بقيمتي الأعلى و هي الخدمة؛ حين أكتب و أتحدث.. أُشافي و أساعد.. أشجِع و أُلهِم… و اعتنائي بنفسي هو عنايتي بالآخرين؛ إذ أن كل تفاصيلي موجهة نحو خدمة “الكل” الذي يجمعنا.

طبعت هذه الورقة 100_Things_Committed_To و افترضت بأنها ستكون قد امتلأت على نهاية العام، إلا أنها و خلال يوم واحد انشغلت ب58 من الأمور التي أود جعلها من ضمن قائمة التزاماتي، حتى أنني تحايلت عليها بدمج بعض البنود باعتبارها تفرعات من الشيء نفسه! المضحك أن خامس التزام قمت بكتابته في القائمة هو “شَعري” و لا أدري كيف يكون التزام المرء مع شعر رأسه و لكنني أدري كيف بعض الأشياء حين تبدأها يصعب عليك التوقف عنها؛ مثل اعتيادك على حلاقة شعر رأسك بالكامل كلما تجاسر على الطول و أوشك على تجاوز خط نهاية الرقبة.

ربما تحتاج نوعاً من الإلزام لتحافظ على بعض الأشياء التي لا يمكنك التمسك بها حين تكون معتاداً على التخلي؛ اخلق بعض الارتباطات لتكون بمثابة الخيط الذي يشدك عن الارتفاع أكثر من اللازم. حين أحدنا يبقى يتخفف من أثقاله فيجد نفسه فجأة على ارتفاع بعيد جداً عن الأرض حتى أنه يختفي عن الأنظار و لا يعود يسمع كل ضجيج العالم في الأسفل الذي ما زال يراه من حيث هو لا يُرى، و حين تُكثِر من النظر إلى الأعلى و تصبح خفيفاً جداً إلى أن تكاد تتلاشى و تذهب إلى المكان الذي تذهب إليه “البالونات” الضالة و كل الأشياء التي تختفي! لن تعلم ما الذي ينتظرك هناك لأنه لم يحصل من قبل أن عاد “البالون” الهارب من يد صاحبه ليخبرنا عما يوجد في سماء العدم التي تبتلع الأشياء الضائعة.

 

 

 

Dear Mr. I Know Everything

شريحة1

هل تعرف أحداً منهم؟ ذلك الشخص الذي عرف عن شيء و ظن بأنه يعرف عن كل شيء؟ أو الذي عرف القليل من كل شيء و اعتقد بأنه يعرف الكثير عن جميع الأشياء؟ أو الذي عرف الكثير في شيء واحد و اعتبر كل شيء آخر جزء من معرفته بذلك الشيء الوحيد؟

حين تراه ستميزه بسهولة و لا تحتاج علامات إرشادية لتتعرف على الشخص من هذا النوع. و لو لديك طريقة للتعامل معه فلا تحتكرها لنفسك لأنني ما زلت لا أعرف كيفية التعامل مع هذه الفئة من الناس إلا بعدم التعامل على الإطلاق؛ ألا تقول و لا تفعل (و لا تكون) شيئاً طالما أنت معهم؛ لأنه سيبقى يلاحق كل ما تقول أو تفعل (أو حتى تكون) بقلم التصحيح الأحمر الذي يعطيه سلطة الأستاذ عليك. تحصن معه بالصمت و الكتمان على أن تكون منفتحاً بالتعبير عن نفسك و إلا سيبقى كل ما يمكن أن يعرفه عنك مشروعاً يعمل هو على التعديل عليه.

 

  • أنت تعبر عن “ذاتك” و هو يقيسك على مسطرة “ذاته”.
  • له “تجربة” في الحياة و هي المعيار لكل ما يمكن للآخرين معرفته.
  • تتكلم ليقاطعك بنبرة “العارف”، هو يعرف ما تتحدث عنه، ألا ترى انفعاله؟!
  • لا خطب به بالتأكيد، فهو لم يخطئ مرة ليتعلم، فقط كان لا يعرف ثم الآن عرف.
  • أنت لم تتخصص أو تقم بدارسة ما قام بتعلمه و ما يقوم الآن بتعليمه لك، و لا تريد.
  • على الأغلب لن تستعرض معارفك عليه؛ و لهذا سيبقى ليس ثمة ما يجعلك جديراً بالتقدير عنده.
  • سيقوم بتقليص حجم كل معلومة ترد من خارج إطار معرفته حتى يجعلها تتناسب مع مقاس ما يعلم.
  • ليس لديك ما يتعلمه لأن ما يعلمه أكثر بكثير مما عندك، حتى حين تقول ما يؤيد كلامه؛ سيعارضك فيه!
  • معتاد على ممارسة دور “الأستاذية” إلى درجة أنه لن يلاحظ تقدمك عليه ببعض المجالات، أو حتى بمجاله نفسه.
  • قل الشيء أو عكسه، في كل الأحوال سيعثر على ما يناقضه أو ينتقده أو يتبرع بتقديم نصيحة لم تطلبها منه حوله.
  • أنت تكتب و هو يعلق، أنت تتحدث و هو يتدخل، أنت تفعل و هو يحلل؛ و لكنه لا يكتب و لا يتحدث و لا يبادر بالفعل من تلقاء ذاته.
  • نظرة التركيز المرتسمة على وجهه بينما تكلمه لا تعني بأنه يصغي إليك؛ إنه يجهز الرد و ينتظر النقطة التي سيختطف بها الحديث منك.
  • لديك فرصاً تبدو واعدة للنمو، احذر إخباره عنها؛ ستكون فرصاً لن يمكنه التفريط بها لاستعراض معرفته الواسعة بكل ما يمكن أن يتعلق بها.
  • سيتسلل إلى الحديث الدائر بين اثنين ليرد على سؤال لم يُطرح عليه و ليس ثمة ضرورة حتى للإجابة عليه.
  • إنه فقط يعلمكم ما سبقكم إلى معرفته: لسنا “نحن” بل أنتم، لا يجب علينا بل يجب عليكم، أنا في موقع و أنتم بموقع بعيد عني و منه أخاطبكم، هل تسمعوني؟!
  • مهما وجهت له من أسئلة، لا تتوقع أن تسمع منه عبارة “لا أعرف”؛ سيرد دائماً حتى لو كان مجرد “رد”، غالباً سيطيل في الإسهاب هنا (بالرد الذي لا يجيب على سؤالك) و سيُغرِقك بكمية معلومات الهدف منها تشتيت تركيزك عن موضوع سؤالك الأول.

 

عزيزي السيد الذي يعرف كل شيء..

“النصائح وسيلة عدمية تدميرية” *الدكتور نايف الجهني

أدري بأن لديك رأي في كل شيء، و بأنك تفترض بأنه يجب أن يكون لدي رأي كذلك، و لا يمكن ألا يكون لدي رأي لأنك ترى بأنه من المستحيل أن تكون إنساناً و لا تمتلك رأياً في كل شيء إلا أنك ترفض الإفصاح عن رأيك ربما. هذا ما تراه أنت! و أدري بأنك تريد أن يرى الجميع رأيك، و تريد كل الآراء أن تكون على مقاس رأيك، لا يمكن أن يكون أحدنا قد بلغ مرحلة لم تبلغها بعد، كما يجب أن تتقلص كل الأشياء لكي يمكن قياسها في حدود ما تعرف، لأنك أنت الذي تعرف. و لكن الذي لا تعرفه، بأنك لست أنا، و تجربتك ليست تجربتي، و حياتك بالكاد تعيشها لتحاول إقحام نفسك في كل ما لا يعنيك في حياة كل شخص يتورط بمعرفتك أو بإنشاء علاقة معك.

 

أن تعرف؛ يعني أن تعرف بشكل كلي.

أن لا تعرف بشكل كلي؛ يعني أنك لا تعرف.

لكي تعرف بشكل كلي؛ من الضروري أن تعرف القليل جداً،

و لكن لتعرف ذلك القليل جداً؛ عليك أن تعرف الكثير جداً.

Gurdjieff*